سلوكيات و مجتمع

معركة مستمرة داخل رأسك!

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

بقلم نديدة أبوجيب

لطالما تميز الإنسان عن بقية المخلوقات بقدراته العقلية الفائقة و الواعية، فتطور العقل البشري هو ما أعطاه القدرة على التحكم بسلوكه القابل للانضباط، على عكس بقية المخلوقات التي تحكمها النزعات الغريزية البحتة.

و لطالما ترافق قياس السمو الإنساني بالأخلاق الفاضلة، فهو الميزان الذي يجعل الإنسان يصنف علواً و هبوطاً بمستواه بين الإنسانية و البشرية، فكلما سيطرت النزعات الغريزية و قلت ضوابطها ينحدر الإنسان ببشريته حتى يقارب الهمجية و الحيوانية في بعض الحالات، و مثالها من يرتكب الجرائم البشعة التي تخرج الإنسان عن كل معايير الآدمية و البشرية!

و بالمقابل كلما تمثل الإنسان بالأخلاق و القيم الفاضلة و ازداد سيطرةً على نزواته و نزعاته كلما ارتقى بمستواه الإنساني، و من أبرز مثال ذلك الأنبياء و المصلحين و من يلحق بهم من الأشخاص الصالحين الذين تتفاوت درجات مثاليتهم.

و لما كانت الأخلاق هي المعيار الحقيقي لصلاح الفرد و المجتمعات أيضاً، لذلك نجد أن أصحاب دعوات الإصلاح أكثر ما ينادون به هو الدعوات الأخلاقية.

لكن لا بد و أن كل إنسان عاقل ناضج يدرك بالبداهة أن الدعوات للالتزام الأخلاقي مهما كانت ذات مقاييس عالية فهي بالتأكيد لا تعني مطالبة البشر الارتقاء لدرجة الملائكية، و عدم ارتكاب أي نوع من الهفوات و الأخطاء.

لكن هل تساءلنا يوماً ما هو المانع العلمي ليكون الإنسان مثالياً كملاك حقيقي لا يخطئ أبداً؟

(نقلاً عن ترجمة كتاب لعالم النفس الأمريكي دان سيغيل  بعنوان mindsight و الذي يستند إلى آخر ما توصلت إليه أبحاث علم الأعصاب حول الطريقة التي يعمل بها الدماغ البشري، أثبت أن دماغ الإنسان في حالة تشكل وتبدل دائم لا تنتهي إلا بوفاته، والمثير في الموضوع أن الإنسان يستطيع بشكل إرادي وواعٍ أن يتدخل في عملية التشكل هذه، و ربما هذه هي الجزئية التي تتأثر وبشكل مباشر بالضوابط الأخلاقية بين الصعود و الهبوط.

يبدأ الكاتب بشرح مبسط لأقسام دماغ الإنسان  فهناك قشرة الدماغ مكان الوعي والإدراك والإرادة والاختيار الواعي، يقع تحتها مباشرة الجهاز اللمبي مكان العواطف والانفعالات والرغبات، وتحت الجهاز اللمبي يقع جذع الدماغ الذي ينظم عمل الأجهزة الأساسية في الجسم كأجهزة التنفس والدوران والهضم .

هذه الأقسام الثلاثة موجودة عند كل الحيوانات ولكن قشرة الدماغ (المسؤولة عن الإدراك والاختيار الواعي) هي الأكثر نمواً عند الإنسان وهذا ما يمنح الإنسان ميزة اختيار أفعاله وعدم الانقياد وراء كل نزواته). (*)

تبدأ المنافسة عند الدور القوي للجهاز اللمبي الذي يضغط على الجذع الدماغي باستمرار، من خلال تحريض الرغبات التي تهدف إلى تلبية احتياجات الوظائف الحيوية في الجسم، لكن النمو و التطور الخاص الذي اختُصت بها القشرة الدماغية البشرية مقارنة بأدمغة الكائنات الأخرى هي ما أعطت الإنسان معنى الاختيار، و هي التي منحت القشرة الدماغية ‘المفكِّرة’ الصلاحيات و القدرة على لجم السلوك و التحكم به في حالة أراد هو ذلك.

إذا باختصار ما يحدث داخل رأس كل إنسان منا هو صراع حقيقي و معارك يومية بين الأجزاء الدماغية، المنتصر فيها هو من يحكّم الإرادة القوية، و يدعمها بالأخلاق الفاضلة إلى أن تصبح بالتدريب عادة دائمة و سجية عفوية و خصلة ثابتة ممزوجة بصفاته الإنسانية، و هذا بالتأكيد لا يتعارض مع أن الإنسان يسيء التقدير أحياناً، و قد يخطئ التصرف كثيراً، و قد يفقد القدرة على ضبط رغباته و نزعاته البشرية تحت ضغوط و احتياجات معينة، لكن من أبقى رقيبه الداخلي صاحياً و يقظاً فهو القادر دائماً على العودة إلى جادة الصواب.

أما الخاسر حقاً فهو من يطلق العنان لرغباته الأنانية و نزواته العبثية، بعيداً عن ميزان الأخلاق و ضوابطها، فيلغي بذلك أهم ميزات عقله الإنساني.

و أخيراً لنتذكر دائماً أثناء تفاعلنا الاجتماعي مع الآخرين أننا جميعاً نشترك في هذه المعركة مع ذواتنا، و لذلك كم تسهل مسامحة من يخطئ بحقنا عندما ندرك بأننا أيضاً نرتكب الأخطاء، و أننا دائماً عرضة لارتكاب الأسوأ مالم نتسلح بالإرادة الصلبة و الأخلاق الفاضلة، قدر الإمكان!

بقلم:نديدة أبوجيب

*الفقرة التي وضعت بين قوسين منقولة بتصرف بسيط عن مقال (رحلة العودة إلى الذات)

التعليقات

تعليقات

Nadida Abou-jeb

مغتربة سوريّة تعيش في السويد, تعمل معلمة لغة عربية و مرشدة دراسية للطلاب العرب في المدارس السويدية.
مهتمة بالقضايا الإنسانية و التربوية و داعمة لقضايا التعليم و حقوق الطفل.
مدوِّنة بمجلة المرأة العربية في ألمانيا و المهجر.