الأسرة الطفل

قط الدار أوشك أن يصبح وحشاً!!

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

بقلم نديدة أبوجيب

لفتني الأمر حدَّ الذهول مع بداية العام الدراسي، عندما كلفتُ طلّابي بواجبٍ لطيفٍ هو كتابةُ موضوعٍ عن النشاطات التي قاموا بمزاولتِها خلال الإجازةِ الصيفية.

خطرت لي الفكرة عندما حضرتُ حصةً دراسيةً مع الطلابِ السويديين و سمعتُهم يتحدثون عن المناطقِ الجديدةِ التي قاموا بزيارتها و استكشافها، و الروايات التي قرؤوها و أبحروا في عوالمها، والنشاطاتِ الرياضيةِ الممتعةِ التي مارسوها خلال عطلتهم الدافئة.

بالتأكيد لم أتوقع من طلابي العرب شيئاً مماثلاً تماماً بسبب اختلافِ الظروفِ و أسلوبِ المعيشةِ للعائلات العربيةِ المغتربة، لكني كنت أتوقُ لأقرأَ عن بعض القصصِ التي قد تكون اجتذبتهم لمطالعتها، أو عن مغامراتهم الممتعةِ برفقةِ أصدقائِهم، أو عن هواياتٍ اغتنموا وقت العطلة لتطويرها، أو على الأقل عن بعض النزهاتِ الجميلةِ التي قضوها مع العائلة في رحاب الطبيعة الأوروبية الخلابة صيفاً.

لكن في يوم تصحيحِ الواجب انتابني شعورٌ بالحزنِ و الإشفاقِ لِما قرأت، فما كتبهُ كثيرٌ منهم لا يشبه موضوعاتٍ لمراهقين تملؤهم الطاقاتُ و شغف الإطلاعِ على الحياة، بل هي أقرب لكونها قوائماً لعناوينِ المسلسلاتِ التلفزيونيةِ، و ما أدهشني هو أنَّ معظمَ هذه العناوين بدت لي غريبةً و مخجلةً أحياناً!

لذلك شدَّني الفضولُ للإطلاعِ على مواضيعِ بعض المسلسلات و مشاهدةِ مقاطعٍ منها، لكن بالنسبة لامرأةٍ مثلي _لا وجودَ لبرامج التلفازِ في اهتماماتها منذ سنوات_ شعرتُ يومها بأني قد خرجتُ للتوِّ من جزيرتي الهادئةِ و الغارقةِ في صفاءِ عزلتها، لأدخل إلى عالمٍ ظلاميٍّ يتوهُ الإنسانُ داخلَهُ في دهاليزِ التعاطف مع الانحراف الأخلاقي، فكل المسلسلات الحديثة تدور في فلكٍ واحدٍ حول الضحايا الطيبين الذين يلجؤون أخيراً إلى حياكة المؤامراتِ المشروعةِ و الخياناتِ المبرّرةِ و الغدرِ المباحِ و الانتقام الشرس، و كل هذا على هامشِ  الإسفاف بالمشاهدِ الحميمية و الملابس و الحوارات التي أقلّ ما يُقالُ عنها بأنها خادشةٌ للحياءِ بل و خارقةٌ لكل معاييرِ الفضيلةِ و الأدبِ!!

عندما اطّلعتُ على ما يُتابعُه جيلُ أبنائِنا بشغفٍ، و يتلقى من خلاله برمجةً لا واعيةً لتصور مشوه عن الحياةِ و العلاقات، سؤالٌ واحدٌ كان ينقرُ رأسي مستفسراً “أين الآباء و الأمهات من هذا التلقين الإعلامي البشع لكل ما هو فاسد و منحرف؟”، لكن إجابةَ هذا السؤالِ كانت كمطرقةٍ هوت على رأسي لأني ادركتُ أنهم يتشاركون مع أبناءِهم شغفَ متابعةِ هذا التخريبِ للمجتمعات بكلِّ بساطةٍ و استسلامٍ، و لعلهم لا يُدركونَ بأن ذلك مساهمةٌ خطيرةٌ منهم في تشريعِ هذه البرامجِ و الإقرارِ الضمنيّ بمحتواها.

لا أنسى سيدة التقيتُها مرة و هي تشتكي من سلوكِ ابنتِها المراهقةِ و شغفها المرضيّ بالتجميل و المظاهرِ الفارهة إضافة لشعورها الدائم بعدم القناعةِ، رغم تعاطفي مع المشكلة إلا أنني أدرك بأنَّ السبب هو الأم التي أدمنت متابعةَ المسلسلاتِ المدبلجةِ و هي غالباً ذات محتوى مبالغ فيه و موضوعاتها هابطة لأدنى المستويات، و هاهي طفلة الأمس التي كانت تشارك والدتها بالمتابعة بصمت قد أصبحت اليوم مراهقةً تريد تقمّصَ ما خزنتهُ في ذاكرتها بعد أن تم تشويه براءتها و تصوّراتها عن الحياة.

حالاتٌ كثيرة و لا يستهان بها قد سمعتها عن أطفال و مراهقين يعانون صعوبات في النوم و التركيز و التعلم، بعض الحالات قد تصل لحد الإصابة باضطرابات نفسية، كل هذا بسبب الكارثةِ المدمرةِ التي اقتحمت عقولَ الشبابِ و حتى الأطفال، و شوهت الفطرةَ الإنسانيةَ بأقزعِ مشاهد التخويف و أشنعِ أفكارِ العنف و الجريمة.

بالتأكيد عن ظاهرةِ أفلامِ العنف و الرعب أتحدّث، و أنا لا يسعني إلا استهجان أن تكون هذه الأفلامُ مشروعةً و قانونيةً رغم خطورتها الشديدة، طبعاً مع إدراكي التام أنه لا يمكن منعُ إنتاجها لأن صانعَ القرارِ يكترث لربحه الماديّ الجشع أولاً و أخيراً، لكن هذا لا يمنع من أن نكون نحن أيضاً صُنّاع قرارٍ بحمايةِ أبنائِنا و بيوتنا من هذه النفايات السامة.

أما الأفلامُ الكوميديةُ الحديثةُ فلم أجدها قد زوّدت الأجيال إلا بحب الهزلِ التافهِ و انحدار مستوى السلوكِ و الألفاظ، و تدهور الذوقِ العام و اكتسابِ سلوكٍ سخيفٍ لا يعرف معنى الاحترام، كل هذا تحت مفهومٍ مضللٍ عن الدعابةِ و خفةِ الظلِّ يتفشى كنوعٍ من البلادةِ و قلّةِ الذوق.

إن المتابع للإنتاجِ الفني و العالمي يدرك أن الموادَ التافهةَ و المنحطةَ لم يكد زمنٌ من الأزمنة يخلو منها، لكن كان يقابلُ ذلك كمٌّ لا بأس به من الأعمالِ الهادفةِ التي عالجت بعض القضايا الاجتماعيةِ و لامست الكثير من الجوانبِ الإنسانية و التثقيفية، أما في العقد الأخير فقد لاحظنا التدهورَ السريع و الانحطاطَ الشنيع لمعظم الإنتاج الفني و الإعلامي و أعتقد بأن أثر ذلك قد بدأ يتوضّح كثيراً في سلوك و توجهاتِ الأجيالِ الناشئة.

طبعاً أنا لا أدعو إلى مقاطعةِ التلفزيون و وسائل الإعلام، بل على العكس أعتقد بأنها من أكثر الأدواتِ تأثيراً و أسرعها انتشاراً و أعمقها تغلغلاً في المجتمعات ، لذلك أتمنى أن أرى على الشاشات وفرةً في الأعمالِ الإنسانيةِ و الاجتماعيةِ الهادفةِ و التثقيفيةِ و حتى الكوميدية التي تداعب عقلَ المُشاهدِ و تُبهجهُ بأسلوبٍ شيقٍ و ممتع، حتى أني أشجع كل من يريد العمل في مجالِ الإعلامِ من الشباب الواعي لأن كلّ ما ذكرتُه يُظهر الفجوةَ العميقةَ في نوعيّةِ الإنتاج الدرامي، و يبرز حاجتنا لنوعيةٍ قيمةٍ من المواد تساعد في بناء إنسانٍ ذكي، واعٍ و فعالّ و عصريٍّ و متوازنٍ،  سامٍ بقيمهِ الأخلاقيةِ كإنسانٍ و ناجحٍ في حياته العمليةِ كمواطن.

لكن ريثما يتم ذلك أرجو من الآباءِ و الأمهات البحث في الإنتاج القديمٍ خصوصاً، و انتقاء موادٍ مقبولةً لتكون لهم محطةً يوميةً تلتف حولها العائلةُ لساعةٍ من الزمن، و أن تتخلل المشاهدة بعض النقاشات العائليةِ عن الأحداث و الأفكار و المواقف، هذا ليأخذ الإعلام حجمه الطبيعي داخل بيوتنا، و ليقوم بدورهِ الإيجابيِّ كوسيلةٍ لتنميةِ الفكر و الخبرات، إضافة لدوره الرئيسي في التسليةِ الإيجابيةِ الممتعة، تماماً كما تعيش بيننا القططُ الأليفةُ بوداعةٍ و سلامٍ لتؤنسنا و تداعبنا و تلامس الجانب الإنساني الجميل فينا.

لا أن يتحول إلى وحش ضارٍ نتعايش مع شراسته و نسلمهُ رؤوسَنا ببلاهةٍ لِيَلِغ بقذارته داخلها، و ينهشَ في عقولِ و قلوبِ فلذات أكبادنا، و يتغوّل في شخصياتهم إلى أن يفترس كل ما هو فاضلٌ و جميلٌ و بريءٌ فيهم، بينما نقف عاجزينَ و مغيبينَ عن إدراكِ عواقبِ الأمور و خطورتها!

التعليقات

تعليقات

Nadida Abou-jeb

مغتربة سوريّة تعيش في السويد, تعمل معلمة لغة عربية و مرشدة دراسية للطلاب العرب في المدارس السويدية.
مهتمة بالقضايا الإنسانية و التربوية و داعمة لقضايا التعليم و حقوق الطفل.
مدوِّنة بمجلة المرأة العربية في ألمانيا و المهجر.