الطفل

قصة الأميرة

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

*زكريا محمد

 

لم تكن أميرة سعيدة جدا في حياتها.

كان والدها عابس دوما، وقليل الكلام.

وكانت تظن أنه لا يحبها كثيرا.

 

تمنت لو أنه كان مثل والد صاحبتها ميس المبتسم دوما.

لكنه لم يكن كذلك.

يذهب إلى عمله صباحا، ويعود مساء، ويتكلم كلمات قليلة.

ولا تظهر البسمة على وجهه إلا نادرا.

 

قالت أميرة لنفسها: أبي لا يحبني. أنا متأكدة من ذلك. أبي لا يحبني. هو دائما صامت مثل حجر. عندما أصحو من النوم أقول له: صباح الخير، فيرد: صباح الخير، ثم يسكت. وعندما تزروني صاحباتي يسألنني دوما: لماذا يبدو والدك عابسا؟ هل هو غاضب منا؟ ألا يحب أن نأتي لزيارتك؟

 

لذلك لم تكن أميرة سعيدة.

وفي يوم من الأيام قررت أن تترك البيت.

أن تتركه وأن لا تعود إليه أبدا.

 

لكن، إلى أين ستذهب؟!

قالت في نفسها: سأذهب إلى بيت صاحبتي ميس. سأقول لأبيها الباسم اللطيف: اجعلني ابنتك. خذني عندك. أبي لا يحبني. أرجوك، خذني.

ورددت في نفسها: سيقبلني، وسيكون لي أبا.

 

جمعت أميرة ملابسها وكتبها ودفاترها، ووضعتها في حقيبة صغيرة، واستعدت للرحيل.

لكنها قبل أن تذهب ألقت نظرة أخيرة على وجه أبيها النائم.

نظرت إليه بإمعان، وقالت له بصوت ما يكاد يسمع: أبي، أنت لا تحبني. لن تراني بعد اليوم.

 

ثم حملت حقيبتها، وهمت بالخروج.

لكنها لمحت، قبل أن تغادر، شيئا غريبا على صدر أبيها النائم. كان هناك قفل حديدي على صدره!

دهشت أميرة!

تساءلت في نفسها: قفل؟ّ! هذا غريب! لماذا يضع أبي قفلا على صدره؟!

ثم أجبت نفسها: ربما كان أبي يخبيء شيئا ما وراء هذا القفل.

أضافت: لو أنني فتحت القفل، ورأيت ما وراءه، ربما عرفت سر صمت أبي وعبوسه!

 

أرادت أميرة أن تعرف سرّ القفل.

وضعت أميرة الحقيبة على الأرض.

مشت نحو أبيها النائم، ثم مدت يدها بحذر إلى صدره خوف أن يصحو.

أمسكت بالقفل وفتحته.

انفتح باب.

رأت وراء الباب درجا هابطا.

قالت لنفسها: ما الذي سأجده إن نزلت الدرج؟ هل سأجد أشياء محزنة ومخيفة؟

ترددت: هل أغلق الباب، وأضع عليه القفل، أم أنزل الدرج وليكن ما يكون؟

كان الفضول يدفعها إلى النزول.

قررت أن تنزل الدرج.

نزلت الدرج خطوة خطوة.

 

في نهاية الدرج وجدت نفسها تدخل حديقة كبيرة جدا.

صاحت مذهولة: ياه! ما هذا الجمال؟!

 

مشت في الحديقة.

كانت هناك أشجار غريبة وطيور ملونة وجداول فياضة.

كانت هناك أيضا وديان وتلال، وخيول وغزلان.

 

تجولت في الحديقة الساحرة.

مشت، ومشت حتى أبصرت من بعيد شجرة مزهرة.

سارت نحوها.

كانت شجرة كرز تتلألأ أزهارها كالنجوم.

كانت أجمل شجرة في الحديقة كلها.

بل كانت أجمل شجرة رأتها في حياتها.

 

اقتربت من الشجرة.

شمّت أزهارها البيضاء.

لمست الأغصان.

ثم عبرت تحت الشجرة، فلمحت عينها فجأة صورة على جذع الشجرة!

صرخت: هذه صورتي! هذه صورتي!

 

كانت صورة كبيرة لها، كتب تحتها بخط يدوي كبير:

“كل هذا لك يا أميرتي”

والدك المحب

 

قرأت أميرة الجملة مرة أخرى: “كل هذا لك يا أميرتي”.

قرأتها، وارتعشت.

ثم جلست على حجر قرب شجرة الكرز.

جلست صامتة لدقائق كي تفهم ما رأت.

ثم نهضت.

مسحت وجهها بيديها.

رتبت شعرها.

ومشت عائدة إلى البيت.

 

صعدت الدرج ببطء.

ردت الباب وراءها.

وضعت القفل على صدر أبيها بهدوء.

ثم نظرت إلى وجهه الهادئ، فرأت بسمة لم ترها من قبل.

كانت بسمة صغيرة طيبة، جميلة، وعميقة.

 

قالت لنفسها: يا الله! أكانت هذه البسمة دوما على شفتي أبي من دون أن أراها؟

أكان كل هذا الجمال في صدره من دون أن أدري؟

 

اقتربت من وجه أبيها.

طبعت قبلة صغيرة على جبينه.

ثم ذهبت وفتحت حقيبتها.

أعادت ملابسها إلى الخزانة.

أعادت الكتب إلى رفوف المكتبة.

قررت أن تبقى مع أبيها إلى الأبد.

 


زكريا محمد: شاعر وروائي فلسطيني من مواليد نابلس عام 1951. درس الأدب العربي في جامعة بغداد بالعراق. بعد أن أتم دراسته عام 1975 عمل صحفياً في بيروت وعمّان ودمشق حيث رأس تحرير العديد من المجلات السياسية والثقافية والأدبية. يقيم حالياً في رام الله حيث يعمل صحفياً ومحرراً ومدرباً على الكتابة الإبداعية وهو عضو في مجلس إدارة «مركز السكاكيني الثقافي» في رام الله ونائب رئيس تحرير مجلة «الكرمل» الثقافية.

التعليقات

تعليقات

Maysoon Jabareen

صحفية فلسطينية تعيش في مدينة فرانكفورت في المانيا، تعمل مذيعة في راديو صباح الخير ألمانيا Good morning Deutschland
عملت في المسرح الشعبي الفسطيني كممثلة وعضو في االجمعية الخاصة بالمسرح، ناشطة اجتماعية تعنى بكسر الصورة النمطية في ذهن الاوروبيين عن العرب وبالذات عن النساء، تهتم بقضايا الطفل والأسرة، كاتبة ومحررة مقالات في مجلة المرأة االعربية في ألمانيا.