اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

الطفل

قصة أنا لاجئ / رزان الزيود

تركَ ماهر أصحابه، وجيرانه، ومدرسته، وانتقلَ مَعَ عَائِلَتِهِ إِلى بلد آخر. كان ماهر ولداً نشيطاً يساعدُ أمهُ وأباهُ، فنصب مع أبيهِ خيمةً صغيرةً، ليسكن فيه مع عائلته.

ذهب ماهر إلى المدرَسَةِ، وفي يوم من الأيام سأل ماهر أباه: ماذا تعني كلمة لاجئ؟

قال له الأب: هو الشخص الذي يهرب من مكان إلى آخر، فِراراً من الحرب.

قال ماهر: لماذا يسخر مني الأولاد في المدرسة ويدعونني بلاجئ؟

قال الأب: لا تأبه يا ماهر، لا يهم من أين أتيت، المهم أن تثبت للجميع أنك ناجح وسيحبونك.

قال ماهر: سأثبت ذلك لهم.

في العُطلةِ الصَيفيةِ، وبينما كانَ ماهر يساعد والدته ويجمع لها الحطب لطهي الطعام، وَجدَ فأساً على الأرضِ فأمسكَ بهِ، وحَفرَ في الترابِ بجانبِ الخيمة.

ذَهبَ ماهر إلى السوقِ واشترى بذرتانِ وشتلةً صغيرةً، وَضَعَ بذورَ البندورةِ في الحفرة، وأخذَ حفنةً منَ الترابِ ووضعَها فوقَ الشتلةِ وضغطَ عليها بقوةٍ إلى أنْ ثبّتَها في الأَرضِ، وأَخَذَ يسقيها كلَ يومٍ.

ويوماً بعدَ الآخر أخذتْ البذورُ بالنموِ. حتى أثمرتْ وصارتْ نبتةً كبيرةً، واشترى ماهر المزيدَ مِنَ البذورِ وزرعَ الكثيرَ من الأشتالِ، يعتني بِها ويقضي كلَ أوقاتِهِ مَعَها حتى صارتْ مزرعةً كبيرةً تنتجُ ثماراً ناضجةً وشهيةً.

أصبحَ ماهر فخوراً بعملِهِ، وكانت عائلته سعيدةً بما فعلَهُ ماهرُ بالأرضِ، التي صارتْ أرضاً مثمرةً بالبندورة الشهية.
فكرَ ماهرُ كثيراً بما سيفعَلُهُ بثمارِ البندورةِ الكثيرةِ، خطرتْ ببالهِ فكرةُ بيعِها، فقامَ بقطفِ ثمارِ البندورةِ ووَضعِهَا بعلبٍ بلاستيكيةٍ وأخَذَ يبيعُها للبيوتِ القريبةِ، أحبَ الناسُ ماهرَ النشيطَ وأحبوا طَعمَ البندورةِ. وصَاروا يَطلبونَ مِنهُ أنْ يُحضرَ المَزيدَ والمَزيدَ، حتى جَمَعَ مبلغاً كبيراً مِنَ المالِ، ذَاعَ صِيتُ البندورةِ التي يَزرعُها ويَبيعُهَا مَاهِرُ في الأحياءِ القريبةِ والبعيدةِ، أصبحَ الناسُ يقطَعُونَ المَسَافَاتِ ليزُورُوا مَاهِرَ الذي اشْتَهَرَ ببندوراتِهِ اللذِيذَةِ، ليشترونها منه.

عندما انتهت العطلة الصيفية، وعاد ماهر إلى المدرسة، عاد الطُلابِ ليستهزؤا به، ويطلقون عليه اسم “لاجئ”، صاَر حَزيناً، لمْ يعدْ يزورُ النباتات، أو يَسقيهَا، حتى اصفرّت الأرض وصارتْ قاسيةً وهشةً.

اشتاقَ الناسُ لثمارِ البندورةِ اللذِيذَةِ التي كانَ يَبيعها مَاهِر، وقَالَ الأهلُ والأولادُ أنَّ الطَعَامَ كانَ ألذَ طَعماً، وأنَّه الآنَ يَنقُصُهُ شيءٌ مَا، فما هو يا تُرى؟ اكتشفَ الجَميعُ أنَّ الطَعَامَ يَنقُصُهُ البندورةُ اللذِيذَةُ التي كَانَ يَبِيعُهَا مَاهِرُ، فَحَزِنَ الأولادُ بَعدَ أنْ اكتَشَفُوا الخَطَأ الذي اقْتَرَفُوه في حقِ مَاهِرَ، فقَرروا أنْ يَطْلُبُوا السَماحَ مِنهُ ليعودَ إلى زِرَاعَةِ البندورةِ الشهيةِ وبيعِهَا، فكّروا سوياً، وقَالوا: ما هي الطريقةُ الأفضَل لكي نَطلبَ السَماحَ مِنْ مَاهِرَ كي يسامحَنَا؟

قالَ أحدُ الأولادِ: كَيفَ سَيُصغي لنا بعدَ الذي فعلنَاه مَعَهُ؟ وبعدَ تفكيرٍ طَويلٍ اتفَقُوا جميعاً أن يذهبوا إلى أرضِ مَاهِرَ للعنايةِ بِهَا. عند المساء، ذَهَبُوا إلى بَيْتِ مَاهِرَ، سَقُوا النباتات، ونَظَفُوا الأرضَ، رآهُم والد ماهر، ونَادى مَاهر: أصدقاؤك هُنا يا مَاهِر، أنظُرْ مِنَ النَافذةِ هَا هُم ينتظرونك في الخارج.

 

 

خَرَجَ مَاهِرُ مُسرِعاً ونَظَرَ إلى الأرضِ وقال مُسْتَغرِبَاً: تبدو رَطِبةً ونَظِيفةً، فقالَ أحدُهم: لقدْ أخطأنَا فِي حقكِ كثيراً يا مَاهر، وها نَحْنُ قدْ أتَينَا جَمِيعَاً لكَي نَعَتَذِرَ عنْ كُلِ مَا سَبَبَنَاه لكَ مِنْ حُزنٍ فَهَلا سَامحتَنَا؟ وقَال آخرُ: أنتَ جلبتَ المَحَبَةَ إلى جلسَاتِ طَعَامِنَا العَائِليِةِ بِرَائِحَةِ البندورةِ وطعْمِهَا اللذِيذِ، فلا تَحرِمْنَا مِنَ السعَادَةِ والحُبِ يا مَاهِرُ.

قَالَ لَهُم مَاهِرُ: لكنني لنْ أسْتَطِيعَ أنْ أعَتَني بِكُلِ هَذهِ الأشجارِ الضَعيفةِ وَحديَ الآن، قَالَ أحدُهُم: أنا أُسَاعِدُكَ، وقال آخرُ: وأنا أيضاً، ومن ثم قالوا جميعاً: ونحنُ أيضاً، ابتسَمَ مَاهِرُ لَهم ومَدَّ يديهِ، وقَاَلَ لَهُم: أنتم أصدقاءٌ بحق، فوَضَعَ الجَمِيعُ أيديهم فوق يَدِهِ فرحِينَ جداً.

في اليوم التالي، طلبت المعلمة من ماهر أن يعرف عن نفسه، قال ماهر: أنا لاجئ.. هربتُ مع عائلتي الى بلدكم لأن في بلدي حرب دامية، لكنني أحب بلدكم كثيراً لأنها منحتني وعائلتي الأمان والحياة السعيدة. أرجوا منكم أيضاً أن تقبلوني بينكم.

قالت المعلمة: لا فرق بيننا، كُلُنا واحد، هذه الأرض لله شاء أن نعيش عليها جميعاً، علينا أن نتعاون لكي نجعلها أجمل وأفضل، أهلاً وسهلاً بكَ وعائلتك في بلدنا يا ماهر، وشكراً لك لأنك جلبتَ السعادة لنا.

قال الأولاد: أهلاً وسهلاً بك يا ماهر.

تعاون الأولادُ، وعادت السعادة إلى الأرْضِ والحَيِّ والأهَالي والأولادِ.

الكاتبة رزان الزيود

رسومات : ياسمين المدهون 

التعليقات

تعليقات

Maysoun Abuzugheib

صحفية فلسطينية تعيش في مدينة فرانكفورت في المانيا، تعمل مذيعة في راديو صباح الخير ألمانيا Good morning Deutschland
تعمل كمدربة مهارات حياتية ومن أهمها الاندماج في المجتمع وسوق العمل الألماني. عملت في المسرح الشعبي الفسطيني كممثلة وعضو في االجمعية الخاصة بالمسرح، ناشطة اجتماعية تعنى بكسر الصورة النمطية في ذهن الاوروبيين عن العرب وبالذات عن النساء، تهتم بقضايا الطفل والأسرة، كاتبة ومحررة مقالات في مجلة المرأة االعربية في ألمانيا.