الطفل المرأة

شجعني على ارتكاب الخطأ، فمن خلاله حتما أتعلم

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

بقلم: ميسون أبو زغيب

“لقد اعتدنا علي خدمة الأطفال وهذا ليس مجرد عمل من أعمال الخنوع تجاههم، ولكنه أمر خطير، لأنه يميل لكبح نشاطهم المفيد والتلقائي. نحن نميل للاعتقاد أن الأطفال مثل الدمي المتحركة، نغسل أجسادهم ونطعمهم، ونعتقد أن الطفل الذي لا يعمل “لا يعرف كيف يعمل” ولكن في الحقيقة لديهم القدرة الجسدية للقيام بالعديد من الأنشطة والوسيلة العقلية لتعلم كيفية عملها”.

ساعدني لأقوم بذلك، أرني فقط كيف ولا تفعله لي فأنا أستطيع القيام به وحدي، كن صبوراً وحاول أن تفهم طرقي؛ قد تكون طويلة، وقد أحتاج بعض الوقت لأني أود محاولة أكثر من تجربة. شجعني على ارتكاب الخطأ؛ فمن خلاله حتما أتعلم.

هذه المبادئ للتعاطي مع الطفل تلخص منهج وفلسفة مونتيسوري الذي يعتمد على تطوير قدرات الأطفال الإبداعية، وحل المشكلات، وتنمية التفكير النقدي وقدرات إدارة الوقت عن طريق أنشطة تجمع بين التفاعل مع البيئة والتعلم، ويمارس هذا المنهج في جميع أنحاء العالم، ويخدم الأطفال من عمر ٣ إلى ١٨ سنة.  ولكن لنتعرف بداية على ماريا مونتيسوري.

ماريا مونتيسوري طبيبة ايطالية مواليد عام ١٨٧٠. ابتكرت أسلوبا تربويا من نوع خاص لتعليم الأطفال في مختلف المراحل التعليمية، يشجع الطفل على التعلم بمفرده باعتباره بانياً لنفسه على أساس المزج بين التعليم والعمل الحر في ذات الوقت. الفكرة الأساسية لهذا التعليم هي اتباع منهج “ساعدني على القيام بذلك بنفسي”

كانت مونتيسوري كطبيبة مقتنعة بأن معاملة “البلهاء” أو ذوي القدرات المحدودة معاملة ليست طبية بل تربوية؛ لذلك دعت إلى إنشاء مدارس خاصة لهؤلاء الأطفال. كتبت اطروحتها عن الهلوسة العدائية في الطب النفسي، ومارست اطروحتها خلال عملها ثم بدأت أهم سنواتها في البحث حتى عام ١٩٠٧ عندما قامت بتطوير نظريتها الأنثروبولوجية – البيولوجية وتعاملت مع الأسس النفسية العصبية معتمدة على أصولها التعليمية، والتجارب العملية في بيوت الأطفال.

عام ١٨٩٩ طلب منها وزير التعليم الإيطالي غويدو باكيلي عقد سلسة من المحاضرات للمعلمين حول تعليم الأطفال ذوي الإعاقات العقلية، وكانت النتيجة أن تأسس معهد للعلاج التربوي الذي شغلت منصبه لمدة عامين، ومن خلاله طورت مواد تعليمية لتعليم اللغة والرياضيات.  وعام ١٩٠١ انتقلت إلى المعهد التربوي في روما وخلاله قامت بزيارة العديد من المدارس، وأجرت الاختبارات الأنثروبولوجية.

وعام ١٩٠٧ تم افتتاح دار للأطفال لرعاية الأطفال الأصحاء عقليا من الأسر المحرومة اجتماعيا، وخلال هذه الفترة تم تطوير أدوات لتعزيز قدرات الأطفال ذوي الإعاقة العقلية والأطفال الفقراء. وكانت النتائج مذهلة بحيث لاقت الاستغراب والاستهجان. عام ١٩١٣ كان الاهتمام قويا بالمواد التعليمية على نطاق عالمي، وتم اتباع منهج أو فلسفة مونتيسوري على المستوى العالمي. أمضت ماريا مونتيسوري بقية حياتها في هولندا وتوفيت عن عمر يناهز ٨١ عام ١٩٥٢. وفي هولندا تم افتتاح مقر جمعية مونتيسوري العالمي الذي ما زال قائما حتى يومنا هذا.

في ألمانيا

عام ١٩٢٥ تأسست جمعية مونتيسوري الألمانية من قبل المعلمة كلارا غروندوالد في برلين لتصبح أول رئيس لها. وهذه الجمعية هي جزء من شبكات مونتيسوري الوطنية والدولية. تقوم الجمعية بتطوير دورات تدريبية محلية في ألمانيا منذ عام ١٩٥٤، لكن لا تقوم الجمعية بتنفيذ هذه الدورات، بل تبحث عن شركات نقل غير ربحية، مثل كليات المجتمع أو نوادي مونتيسوري المحلية. ومن خلال الجمعية يتم التحقق ما إذا كانت الشروط المكانية والتنظيمية والمادية لتنفيذ الدورات المقدمة وفقا للمعايير المطلوبة، وتوافق الجمعية على تطبيق الدورة التدريبية للجهة الراعية والتعرف على المحاضرين.

وفي ألمانيا ينفذ التعليم المونتيسوري بنجاح، وهناك أكثر من 1000 مؤسسة تعليمية وفق منهج مونتيسوري سواءً مدارس أو رياض أطفال موزعة في كل الولايات الألمانية.

وهناك منظمة اتحادات المونتيسوري الألمانية وهي عبارة عن تجمع اتحادات ومنظمات التدريب المهني المونتيسوري وتهتم بمواضيع شاملة مهمة على المستوى الاتحادي الجمهوري مثل:

  1. السياسة التعليمية والعلاقات العامة
  2. مزيد من تطوير معايير التدريب
  3. تطوير الجودة لمرافق مونتيسوري

مونتيسوري في البيت العربي

انتشرت مؤخراً ثقافة ومنهج مونتيسوري التعليمي أيضاً في العالم العربي في الكثير من المؤسسات التعليمية ورياض الأطفال؛ خاصة أن اسم مونتيسوري ارتبط بالجودة العالية في تعليم الأطفال وتنميتهم روحيًا وفكريًا وحركيًا.

نور السمان معلمة سورية آمنت بأفكار ومنهج وفلسفة مونتيسوري الذي مارسته خلال عملها كمربية ومعلمة مع العديد من الأطفال، والذي لاقى اعجابا واستحسانا من محيطها. افتتحت موقع الكتروني لتعليم الأمهات والمعلمات المعنيات منهج وفلسفة مونتيسوري من خلال دورات اونلاين في غرف تفاعلية تعتمد على التواصل المباشر بين المتدربات والمدربة، حسب مواعيد محددة تناسب المتدربات.

بداية المشوار

تمنت نور في طفولتها أن تصبح طبيبة أطفال لشغفها وحبها العمل معهم، ولكن الحلم تحول مع مرور الزمن لعالم تربية الأطفال. التحقت بجامعة دمشق كلية التربية مع إصرار ورغبة ومحبة لاختيارها، متجاهلة استخفاف من حولها بعالم التربية.

لم تكتف نور بما أتيح لها اثناء اعوامها الدراسية من مواد في الجامعة كونها مولعة بالبحث وترغب دوما بما هو غير معتاد. وكان لديها دوما توجه داخلي وإصرار وعزيمة لتغيير هذا الدور وهذه النظرة المجتمعية التقليدية للمربين.

بداية تحقيق الحلم

دخلت نور كمدرسة في حد المدارس في دمشق وهمها التعامل مباشرة مع الطفل حسب رغباته ونفسيته. طبيعتها الهادئة أشعرتها بأن هذا فعلا ما يناسبها وخلال عملها شاركت بدورة تأهيلية من دورات مونتيسوري الخليج وعملت معهم ساعات مكثفة لإنهاء الدورات في زمن قياسي مع تدريب عملي مباشر مع الأطفال. كانت الزميلات في المدرسة يشاركنها بالمشاهدة والملاحظة.  وتطور دور نور لتستلم إدارة أحد المدارس لمتابعة الطفل وأمه. شكل هذا دافعاً لنور لتحقيق حلمها الخاص وهي في سوريا بانشاء مدرسة خاصة تتبع منهاج مونتيسوري لكن الحرب بعثرت حلمها.

بسبب الحرب انتقلت لمصر وبحثت عن مدارس مونتيسوري هناك. وبما تمتلكه نور من خبرات ومؤهلات تمكنت خلال زمن قياسي من استلام إدارة تعليمية في أحد المدارس والإشراف على المعلمات والأمهات. ثم ابتكرت نور مع صديقتها صفحة فيس بوك اطلقت عليها اسم مونتيسيريا وهي مزج بين “مونتيسوري وسوريا” رغبة في نشر منهج مونتيسوري في التربية للأمهات والصديقات السوريات. والتفاعل أكسبها ثقة أمهات عربيات من جنسيات مختلفة: مصرية،سودانية، مغربية، جزائرية، تونسية وخليجية وجعلها توسع نطاق الفكرة ليشمل لاحقا اطلاق موقع إلكتروني تحت إشرافها وإدارتها مختص بدورات “اونلاين” ممنهجة قائمة أساساً على الفهم المونتيسوري في التربية للمعلمات والأمهات.

تطمح نور من خلال هذه الدورات إلى التغيير في نمط التربية، وخلق مجتمع السلام بالتركيز على الطفل كونه ركيزة أساسية للمستقبل، وبناء عائلة مونتيسرية كبيرة تحقق الابداع باليد، خاصة أن اليد مفتاح العقل وفق رؤيتها.

ميسم الشوا سورية أم لثلاثة أطفال، مهندسة ديكور مقيمة في ألمانيا، وأحد المستفيدين من هذه الدورات تقول: قبل هذه الدورة كنت قد استخدمت الكثير من الوسائل، كنت أريد اطفال عباقرة مطيعين مميزين. أجمل ما أهدتني اياه هذه الدورة انني أصبحت أريد فقط أطفالا سعداء، والجميل في الامر أن الطفل السعيد الذي ينعم بحريته واستقلاليته كما علمتنا مونتيسوري هو بالنتيجة عبقري مبدع ومميز، أما عن الطاعة، فلم أعد أنظر اليها كمطلب أساس من أطفالي. كنت قبل هذه الدورة أسعى لأن أكون أم مثالية، ونسيت في خضم ذلك أن أكون الأم الحنون المتفهمة المحبة. علمتني مونتيسوري التوازن ومن أجمل ما سمعت من أطفالي بعد تعلم الطريقة المونتسورية في التعليم “ماما أصبح التعلم معك ممتع”.

ومن أهم ما قالته مونتيسوري: الأم التي تطعم طفلها دون بذل أي مجهود في تعليمه كيف يمسك بالملعقة بنفسه ويحاول أن يجد فمه بها، والتي لا تأكل أمام الطفل وتدعوه لكي ينظر ويرى كيف تفعل ليست أم جيدة، إنها تسئ لكرامة البشرية الجوهرية لطفلها.

 


  • وللمزيد من المعلومات حول منظمة اتحادات المونتيسوري الألمانية اضغط هنا
  • وحول جمعية مونتيسوري الألمانية اضغط هنا

التعليقات

تعليقات

Maysoon Jabareen

صحفية فلسطينية تعيش في مدينة فرانكفورت في المانيا، تعمل مذيعة في راديو صباح الخير ألمانيا Good morning Deutschland
عملت في المسرح الشعبي الفسطيني كممثلة وعضو في االجمعية الخاصة بالمسرح، ناشطة اجتماعية تعنى بكسر الصورة النمطية في ذهن الاوروبيين عن العرب وبالذات عن النساء، تهتم بقضايا الطفل والأسرة، كاتبة ومحررة مقالات في مجلة المرأة االعربية في ألمانيا.