التعليم مدونات

الهاربة إلى المستقبل

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا



بقلم نديدة أبوجيب

وهج الشخصية الجذابة..

كنتُ متدربة جديدة في المدرسة عندما لمحتُ سيدةً مُلفِتةً تسير في أحد الممرات.

قوامها و شعرها و أناقتها الواضحة توحي بأنها شابة مقبلة على جمال الحياة، لكن فقط عندما التفتت لم يستطع وجهها أن يخفي تماماً آثار الزمن بالرغم من جمال ملامحه الأصلية.

رغم تطابق وصف ابنتي المسبق معها إلا أني شككت بأن تكون هي نفسها، فكيف يعقل أن من رأيتها هي فعلاً سيدة قد تجاوزت الثمانين من العمر؟!

لطالما حدثتني ابنتي عنها وهي معلمتها في صف القادمين الجدد، و كم وصفت لي إعجابها بشخصيتها و نقلت عنها ما ترويه لهم من تجاربها العميقة و نظرتها الفلسفية المتوغلة في الحياة، كل هذا على هامش دروس اللغة السويدية و عادات و قيم  المجتمع السويدي.

هذا الوصف و التأثر من ابنتي جعلني متشوقة فعلاً لمقابلة معلمتها، حيث تشدني هذه النوعية الفريدة من الشخصيات المشبعة بالحكمة و الإنسانية، و التي عاشت حياةً حقيقيةً في زمنٍ حقيقي لا يشبه زماننا، تماماً كما يشدني الفضول للاطلاع على جمال و غموض قطع “الأنتيك” الثمينة.

درس في المهنة و الحياة..

وصلت يوماً قبل الموعد بدقائق إلى اجتماع أولياء الأمور، قابلتها في الردهة و عرّفتها بنفسي، فما كان منها إلا أن سارعت بأخذي إلى غرفة الصف على انفراد، لتحدثني باهتمام شديد عن ابنتي، حيث كانت تريد لي أن أعرف كم هي فتاة موهوبة و متميزة، و كأنها توصيني بشكل غير مباشر أن أوليها عناية خاصة، ثم باحت لي بأنها معجبة بها كثيراً لكنها تبذل جهداً كي لا يظهر عليها ذلك، لأن واجبها كمعلمة أن تبدو حيادية تجاه جميع الطلاب، و أن توليهم جميعاً نفس النسبة من الاهتمام و تشعرهم جميعاً بنفس المقدار من المحبة.

لم أستطع و أنا أسمعها ألا أتذكر مدارسنا التي تعلمنا فيها، و التمييز الفاضح و الواضح الذي كان يحدث من بعض المعلمات تجاه بعض الطالبات بدوافع مختلفة قد لا يكون التفوق و الذكاء أحدها، و أدركت فعلاً كم كان هذا يؤذي مشاعر الأغلبية.

الحقيقة أنها في تلك اللحظة و دون أن تدري قد أعطتني درساً مهماً كمعلمة متدربة، وهو ضرورة العمل بمهنية عالية، و الوقوف على مسافة واحدة من الطلاب مهما كانت مشاعرنا تجاههم.

طوال الاجتماع كنت أتأملها و أتساءل أي حياة جميلة قد عاشتها هذه السيدة لتبدو بهذا الإشراق و لتكون بهذا التفاؤل و هي في سنها، لكني تذكرت ما كانت قد نقلته ابنتي عنها عندما عاشت في شبابها تجربة فَقد الزوج،  و كم عملت و كافحت لتربية أبنائها الثلاثة كأم وحيدة، تخيلت في تلك اللحظة التحدي الكبير الذي واجهتْه بشجاعة، و أدركت أن السر ليس في حياتها لأنها مثلنا جميعاً قد مرت بالكثير من الآلام و المصاعب، و ربما أكثر مما نتوقع، لكن الاختلاف الحقيقي في شخصها و أسلوب تفكيرها و خاصة أمام التحديات التي قد يكون الهرم و التقدم في السن من أهمها الآن، و ها هي نراها كيف تواجه بالإيجابية و حب الحياة و الإنتاج _طالما هي قادرة عليه_  و بذلك كانت هذه السيدة تجسيداً حقيقياً لعبارة “اضحك تضحك لك الدنيا”.

رب صدفة خير من ألف ميعاد..

بعد تغيبها لوعكة صحية تم استبدالها بمعلمة أخرى، لكن أثرها كإنسانة مُلهِمة بقي في نفس ابنتي عميقاً، حتى أنها مؤخراً قد كتبت عنها موضوعاً رائعاً بعد سنوات من الفراق.

بالأمس و أنا في متجر البقالة لفتتني سيدة مسنّة بمظهرها الجميل المميز، و إذا بها هي نفس المعلمة السابقة، أسرعت إليها و أخبرتها أن ابنتي لم تنسَها يوماً، و أنها قد كتبت عنها موضوعاً عنوانه

“أول معلمة و إنسانة في السويد” حيث تحدثت فيه عن الأثر الفريد الذي تركته في نفسها و عما تعلمته منها في حكمة الحياة .

كم تأثرت السيدة، حتى لاحت في أحداقها دمعة صغيرة و قد امتزجت ببريق فرحة غامرة، ثم عانقتني بمحبة و أخبرتني بأنها _رغم تقاعدها_ لطالما كانت مصرة على الاستمرار بتعليم الأطفال المهاجرين إلى السويد لأنها واثقة كم سيكون منهم في المستقبل أشخاص مميزين، و أنها فخورة و سعيدة لأنها قد مرت في حياتهم و تركت أثراً ما.

كلماتها قد أثرت بي كثيراً، لأني أدركت عمق إيمانها بالبذور الرائعة التي حملناها إلى أرضها، و التي ربما لن تعيش هي لتراها تزهر و تثمر، لكن يكفيها يقينها بأنها قد ساهمت في زرع شيء مهم لمستقبل بلادها، و أنها قد روت غراسها الغضّة بمحبة قبل موعد الرحيل.

**الحقوق القانونية لنشر هذا المقال محفوظة لمجلة المرأة العربية في ألمانيا

التعليقات

تعليقات

Nadida Abou-jeb

مغتربة سوريّة تعيش في السويد, تعمل معلمة لغة عربية و مرشدة دراسية للطلاب العرب في المدارس السويدية.
مهتمة بالقضايا الإنسانية و التربوية و داعمة لقضايا التعليم و حقوق الطفل.
مدوِّنة بمجلة المرأة العربية في ألمانيا و المهجر.