المرأة غير مصنف

“سأتحرر من أغلال الألم” جمانة نجم

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

 هكذا كان قراري!

كثيرٌ منا في حياته أحزانٌ عميقةٌ، و كثيرٌ منا عاش أياماً صعبةً و كئيبةً، فمنا من ظل يجترّ وجع الماضي حتى أحال حياته إلى حطامٍ يحياها بروحٍ يغطيها سواد الذكريات!

ومنا من رسم على جدران مستقبله صورةً مشرقةً مزخرفةً بالأهداف، و ملونةً بألوان الأمل، و بإرادة صلبة أصبح الرسم نقشاً لا تمحوه الرياح العاتية أياً كان مصدرها، فلا الاستهزاء ولا الظلم ولا النكران يمكن أن يحيل النقش إلى رماد.

سيدتنا القادمة من بلاد الجمال _بعلبك_لبنان، كانت من النساء اللاتي تحدين و صنعن المستقبل بالإصرار و العزيمة القوية.

البداية القاسية

لقد تركت مقاعد الدراسة في سن صغيرة ولكن يدها الصغيرة لم تترك القلم، و لا عيونها تخلت عن التمعن في صفحات الكتب، فكانت رفيقةً لها، وكانت تبث عبر حبر القلم أحزانها و أفراحها وعشقها للعلم الذي لم تحظى به لظروف أجبرتها على تغيير الحلم، فتعلمت الخياطة وما يسمى في لبنان “بالنول” وهو شك فساتين العرائس بالخرز واللؤلؤ، فبرعت بهذا المجال لتعمل في إحدى المشاغل و ليتغير مجرى حياتها كليا بعمر الخامسة عشر، حيث انتقلت إلى ألمانيا وتعثرت خطواتها، إلى أن رفضت أن تكون تلك النعامة التي تغرس رأسها في الأرض وبدأت رحلةً جديدة.

رحلة التغيير

كان هناك هدفاً ولكنه غير واضح المعالم، ورغم غشاوة الصورة الا أنها كانت كافية لتجعلها تسعى وراء هدفها، فعملت في إحدى المقاهي كنادلة وفي نفس الوقت لم تترك الخياطة، وفي خضم الهمسات البائسة التي تمسها بسوء كانت قويةً وصامدةً، فهناك إحساسٌ بداخلها يقول لها بأن هذه النادلة ليست هي، وأن ما تقوم به ليس إلا طريقاً تعبر به إلى الحلم، لذا يجب عليها العمل حتى تصل.

ثم كانت الفرصة قادمة لها مع تقديمها لطلبات في المقهى إلى سيدات يتحدثن بلغة عربية تشوبها الكثير من الكلمات العجمية، حيث طلبن منها تعليمهن اللغة العربية في مدرسة VHS لأن استاذهم كان على وشك مغادرة المدرسة وهم بحاجة لمعلم.

ترددت كثيراً وخافت، فهي لا تملك شهادة علمية، ولكنها تذكرت دفاترها وكتبها وشغفها للغة العربية، فوافقت وبدأت رغم استهزاء مَن حولها مِن المعارف وتعليقاتهم المستنكرة لسيدة لا تملك شهادة ان تقوم بالتعليم و في مدرسة معروفة، إلا أنها أثبتت جدارتها واستمر مشوارها كمعلمة لسنوات تكللت بالنجاح والفرح بالإنجاز.

الحلم الصعب و قوة العزيمة

سرعان ما طغت فكرة ان تمتلك بيتاً على كل شيء، بالتأكيد استنكر الكثيرون الفكرة وسخروا منها، ليتكرر السؤال كيف لسيدة وحيدة لم تتجاوز الواحدة والعشرين عاماً أن تمتلك بيتاً؟!

لكنهم كانوا لا يعلمون ان هذه السيدة تمتلك عزيمة الرجال، فقد كانت تعمل صباحاً بالمدرسة ومساءً في المطعم، وتخيط أثواباً في بعض الأحيان، لتجمع ما تكسب وتدّخره، فهي لم تكن كمعظم الشابات تبحث عن جديد الموضة أو المكياج بل كانت تكتفي ببعض الثياب و الضروريات لتوفر ما يكفي من أجل بناء بيت الأحلام، وبالفعل لم تمضِ ثلاث سنواتٍ حتى تمكنت بمساعدة احدى طالباتها الألمانيات من الحصول على قرض، و كانت سعادتها كبيرةً عند توقيعها لعقد شراءِ بيت الأحلام، رغم أنه كان قديماً متهالكاً ولكنه كبيراً و من ثلاثةِ طوابقٍ.

اشترته وأخذت صورةً لفيلا طالما حلمت بها، ألصقتها على جدران البيت وأصبحت كعامل بناء، فكانت ترافق البنّائين وتشتغل معهم، وقبل ان تكسر الحجارة كانت تكسر قيود اليأس، وقبل أن تمسح الغبار كانت تمسح الحزن عن قلبها.

لقد صممت أن تهتم بكل التفاصيل فكانت تكحل الحجارة بدلاً من تكحيل عينيها، وتصبغ الجدران بدلاً من صبغ شفتيها، وتستمتع بزراعة حديقتها بدلاً من سهرةٍ تلهيها عن إعمار بيتها.

سبع سنوات أفنتها لأجل ما تمنت ، فأصبحت فخراً لعائلتها،  إلا ان شيئاً بداخلها يصرخ : “مازلتِ في بداية المشوار وهدفكِ الحقيقي مازال خافياً لم يشرق في حياتك بعد”

مفترق الطريق

مهما كان الطريق صعبا إلا أن هناك دوماً شعاع، ولو كان خافتاً يرشدنا للخروج من العتمة ، كانت نافيا صديقة جمانة ذاك الشعاع الذي طالما أنار لها دربها فكانت اليد الحانية التي طالما مسحت دموع جمانة بحنان الأم وحب الأخت وصدق الصديقة، وفي يوم من الأيام أخذت نافيا بيد صديقتها جمانة  إلى إحدى مراكز التجميل، فإهمالها لنفسها قد أخفى معالم أنوثتها التي أرهقتها سنوات التعب والبحث عن اثبات الذات، ولأول مرة تسلم نفسها لأيدي خبيرة تجميل.

كانت نظراتها تلاحق الخبيرة فكل ما حولها لفت نظرها، ولم تكف عن طرح الأسئلة بسبب فضولها الذي لم يتوقف الا بعد أن رأت نفسها في المرآة، لينعكس ذلك الاهتمام الى رؤيتها لامرأة أخرى مشرقة تشع حيوية وحياة، فذرفت بعض الدمعات لينقشع الضباب عن هدفها الذي جهلته سنيناً، و ها هي قد عرفته الآن.

لقد قررت أن تتخصص في التجميل، وبالفعل لم تترك الفرص، فكل إعلانٍ عن دورات أو تدريب تتمسك به حتى لو اضطرت للسفر من مدينة إلى أخرى.

كانت تعمل وتدرس و تبحث عن كل جديد، و المحصلة هي 35 شهادة في كثير من المجالات التي أهلتها للعمل في إحدى مراكز التجميل، وهناك أبدعت في كسب ثقة أصحاب العمل  لتصبح مسؤولة عن ثلاثة اقسام في مدة لا تتجاوز السنة.

أصعب الأحلام يتحقق 

(مركز التجميل)

و لأنها برعت في جذب انتباه الزبائن أصبحوا يرغبون في التعامل معها شخصياً، ثم لمعت فكرة جديدة: ” لمَ لا يصبح لدي مركز خاص بي بدلاً من السفر للعمل منذ الصباح وحتى المساء؟”

لكن كيف لها وهي التي لا تملك ثمن ذلك؟ فتتراءى لها صورةُ أجملِ وأغلى ما تملك، لتعلن ذلك القرار الجنوني الذي آلمها كثيراً وذرفت له الكثير من الدموع، بينما تمسك القلم وتوقع من جديد ولكن هذه المرة لبيع أجمل أحلامها التي حققتها، نعم لقد باعت بيتها لتبني مركزها الذي أصبح كل شئ لها.

لقد عملت على تطوير عملها في فترة قصيرة ليصبح مركزها ليس فقط للتجميل و المساج بل للتعليم ويستقبل المتدربين من معاهد التدريب، و ها هو النجاح يكبر، وتكبر الطموحات ليخرج ما عملَته إلى صفحات الانترنت و الأنستجرام، بل و بعض عروض القنوات التلفزيونية.

إنها جمانة نجم ضيفتنا التي رفضت الاستسلام للظروف وتحدت وحيدة كل الذين أحبطوها وحاولوا سلب أحلامها، كان حبها لأن تنشر ما تعلمته هدفاً آخر، إلى أن وجدته عبر صفحات الانترنت في “مجلة المرأة العربية في ألمانيا و المهجر ” فرغبت أن تطل على متابعيها من نافذة جديدة تخص أسرار الجمال و الاهتمام بالبشرة، بموادٍ بسيطةً فيها عودةٌ للطبيعة المعطاءة، و أصبح طموحها الذي تسعى إليه هو توعية النساء بأهمية الاعتناء بأنفسهن ولكن بطرق سهلة وآمنة.
جمانة تقول لكل سيدة: العجز الحقيقي هو الاستسلام للظروف، فكل سيدة لديها طاقات عالية لتبدع و لتقاوم كل الظروف، لكن الإتقان غاية يجب أن تتوج كل عمل، و حب العطاء مربحه السعادة النابعة بصدق من القلب، فتمسكي بكل ذلك سيدتي و ابقي لؤلؤة لا يخفت بريقها مهما كانت ظروف الحياة. 

تحقيق و كتابة: هيفاء رجب

 

** حقوق المقال محفوظة قانونياً لمجلة المرأة العربية في ألمانيا

 

التعليقات

تعليقات