مدونات

زهرة النجاح على درب الشوك

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

نديدة أبو جيب

لم يكن قد مضى على وصولي إلى السويد إلا عدة أشهر عندما تم استدعائي في مكتب العمل لحضور مقابلة بخصوص فرصةٍ كبيرةٍ لانتقاء بعض المعلمين بهدف تأهيلهم وإلحاقهم بالعمل في المدارس بأسرع وقت ممكن. إنها فرصة مهنية رائعة ونادرة يتحدث عنها الجميع، لكن أعتقد أنهم إنما قد أرسلوا لي هذه الدعوة بالخطأ. وصلت إلى هناك في اليوم المحدد حيث تغص الصالة بالمنتظرين المتوترين الذين يتبادلون التساؤلات حول مجريات المقابلة، وبدون اكتراث جلست انتظر دوري بينما أتابع قراءة أحد الكتب. و عندما نادوا اسمي، دخلت بروحٍ مرحةٍ ومشرقة، لأن أقصى طموحي يومها كان أن أحظى بفرصةٍ لمقابلةِ أشخاصٍ جدد في المجتمع السويدي، وأن أحاول ترك انطباعٍ صادقٍ عن ميزات المرأةِ العربيةِ وخصالها الإنسانية السامية. جرت المقابلة بسلاسة وعفوية وانتهزتُ الفرصة خلالها لأتطرق إلى قضية هامة هي تخلف كثير من الأطفال عن التعليم في الدول المتأخرة، وكنت سعيدة لأني شعرت بأني قد حققت شيئاً وإن كان رمزياً من خلال إيصال صوت الأطفال المساكين لمختصين هنا.كما أظن بأني قد استحوذت على إعجاب السيدتين وتقديرهما لثقافتي عموماً. لكن بخصوص الفرصة طبعاً الأمر محسوم مسبقاً،  فأي فرصة سأحظى بها للقبول من بين عشرات المتقدمين من أصحاب الخبرات الطويلة في مجال التعليم وأنا لست معلمة أصلاً و تخصصي الجامعي لا يمكن الانتفاع به هنا. والأسوأ أني عجزت عن التحدث باللغة السويدية أثناء المقابلة رغم بساطة الأسئلة، واستعنت كثيراً بكلمات انكليزية!

نسيت أمر المقابلة كلياً بمجرد خروجي من باب المبنى، وعدت لروتين حياتي اليومية. إلى أن تفاجأت بعد بضعة أيام بوصول بريد لتبليغي بأنه قد تم اختياري مع مجموعة تضم عشرين شخصاً من جنسيات مختلفة للانضمام إلى الدورة المهنية التأهيلية للمعلمين، وهي الأولى من نوعها في السويد.

كان قرار إلحاقي بالدورة المنشودة أشبه بعاصفةٍ ثلجيةٍ تلوح بالأفق في ذروة الصيف، نعمةٌ فيها الخير العميم، لكنها ليست في الموسم الصحيح، بالنسبة لجميع من حولي بدى الأمر رائعاً وحظاً موفقاً جداً، إلا أنه أبداً لم يبدُ كذلك بالنسبة لي. فكيف سأتمكن من النجاح في دورة مهنية علمية تخصصية بينما لا أزال في المراحل البدئية لتعلم اللغة؟! إنه أشبه بمحاولة الإبحار بوعاء وملعقة عوضاً عن قارب ومجذاف!! لكن برغم كل مخاوفي، قررت خوض التجربة بكل ما أوتيت من قدرة على التحدي.

بعد أرقٍ طويل حاولت أن أتأنق في الصباح لأتوجه بإشراقة مزورة ليومي الأول، التقيت في البهو بأشخاص لم أعرف أحداً منهم،سرعان ما تجمعنا في القاعة الكبيرة، وحضر المزيد والمزيد من الناس، البعض يلتقطون الصور، لا بد أنهم صحفيون يغطون الحدث، والآخرون يلقون كلمات مقتضبة أو مطوّلة أحياناً. كم أشعر الآن بأني كنت مضحكة وأنا جالسة أتظاهر بالإصغاء رغم أني تقريباً لا أفهم شيئاً، ورغم قدرتي الآن على السخرية من ذلك الموقف إلا أني لن أنسى قط الشعور الخانق الذي تملكني وقتها. أخيراً سرّي عني قليلاً عندما انصرف معظم الحضور الذين يزحمون المكان، ولم يبقَ معنا نحن الطلاب إلا شاب وسيدة ورجل يبدو أنهم المدرسون. عرّفنا عن أنفسنا واحداً تلو الآخر، وكم تضاعف قلقي واضطرابي عندما أدركت أني الوحيدة من بين الطلاب في مجموعتي التي لم ينقضِ على وجودها في السويد إلا أشهر، بينما تحدّث الآخرون عن سنوات وصلت إلى العشرة أحياناً.كما أن معظمهم أصحاب خبرات في التعليم على العكس مني. و تأكدت حينها وبدون أي شك أنني الأشد ضعفاً هنا، ومهما حاولتُ يستحيل أن أجاري أي شيء من المعطيات التي حولي. وهكذا عدتُ يومها أجر أذيال الخيبة وتلاحقني أشباحُ الفشل الذي بدى محتماً أكثر من قبل. ورغم كل ذلك فإن الاستمرار بهذا العذاب أمر مُلزِم ومحكوم عليّ بثمان ساعات يومياً لمدة ستة أشهر، ويبدو جلياً بأنه سيكون الشتاء الأطول في حياتي.

في الأيام التالية سرعان ما بدأ المعلمون يتناوبون في تعليمنا، الشاب لطيف و هادئ، إنه سويدي جداً، يقوم بالشرح بمنتهى الوضوح، بطيء في كل شيء، حتى في طريقة كلامه، ولعل هذا ما جعل محاضراته هي المفضلة لدي لأني تمكنت من فهمه. السيدة تعلّمُنا القوانين النظرية، إنها لطيفة وصبورة و يصعب علي فهم أسلوب كلامها المعقد، لكن بما أنها تعيد الفكرة عدة مرات بأساليب مختلفة، فقد كنت أبذل كل الجهد لأستجمع الأجزاء التي فهمتها (كما في لعبة البازل) لأتمكن في النهاية من تخمين ما تقوله. أما بالنسبة للرجل فقد كان له وقع آخر ومختلف تماماً، إنه رجل واثق جداً، رياضي الهيئة، مفتول العضلات يظهر في القاعة فجأة ويتحرك بنزق، وخلال ثوانٍ يجري بعينيه الحادتين مسحاً لكل شيء وكل شخص، ويطلب إخفاء كل ما هو موجود على الطاولات، ثم يباغت أحدنا بالقلم ويسأله عن الدرس السابق، وينتظر الإجابة مكتوبة على السبورة، ومن وقع المفاجأة نرتبك جميعاً ونصاب بشحوب جماعي. في تلك الأثناء يتوجه هو إلى آخر القاعة و يطلب منا مساندة زميلنا، ويكتفي بالمراقبة الصامتة لتخبطنا ومحاولاتنا اليائسة لاستذكار وكتابة الجمل والكلمات الصعبة. وبعد أن نستسلم ونضع الأقلام، ينقض هو على السبورة ويبدأ بتصحيح أخطائنا بشيء من الشدة والغضب، ويبدأ بالكلام بسرعة تجعلني أعجز عن فهم أي شيء. وبسبب طريقته العسكرية فقد استحق بجدارة اللقب الذي أطلقناه عليه: “الكولونيل”.

في نهاية الأسبوع الأول عدت منهكة الجسد ومثقلة الشعور، و توجهت للارتماء مباشرة على السرير حتى دون أن أبدل ملابسي، ولم أدرِ كيف ومتى ذهبت في حالة تشبه الإغماء أكثر من النوم، صحوت بعد عدة ساعات لأكتشف أن الوقت متأخر وأن الجميع يغطون في نوم عميق، فتسللت في المنزل المظلم مثل أشباح الليل،ورحت عبر النافذة أراقب هطول الثلج الوادع الذي يبث السكينة في الروح. رغم ذلك لم أنجح بأن أنعم طويلاً بالاسترخاء، فراحت كل المواقف السيئة من الأسبوع الفائت  تقفز أمامي،وسرعان ما بدأت ببكاء عميق، و راودتني الرغبة ببكاء طويل ينفّس عن كل مشاعر الضغط التي تخنقني، لكني توقفت خلال لحظة غضب عندما تذكرت “الكولونيل” واستمتاعه برؤية تخبطنا عند السبورة، لذلك وربما من دون وعي مني قررت أن أحتفظ بهذا الضغط وأن أحوله إلى تحدي. توجهت إلى المكتب وأخرجت أوراقي حيث المعلومات والملاحظات التي قمت بتدوينها خلال الأسبوع، استخرجت كل كلمة من هناك وبدأت أنسّق المعلومات بأسلوب واضح ثم أدوّنها في دفتر كبير بطريقة منظمة و استخدام الألوان التي تساعد على تمييز الأفكار. وبهذا قضيت عطلتي كلها منهمكة بعملي، أفهم وأدوِّن وأذاكر.

حلّت بداية الأسبوع الثاني، ورغم مخاوفي كنت أتحرق شوقاً إلى اللحظة التي أنال فيها الفرصة للكتابة على السبورة لأتمكن من إثبات قدراتنا أمام الكولونيل. كعادته ظهر أمامنا في القاعة فجأة لكنه بدأ مباشرة بشرح الدرس ثم قام بتوزيعنا في مجموعات عمل، وسرعان ما غادر مختفياً. كانت المهمة الموكلة لنا بافتراض وجود طلاب حقيقيين، وإيجاد الطريقة المثلى لشرح المعلومات لهم، وسرعان ما بدأت المجموعات بالعمل الجاد. بالنسبة لمجموعتي بدؤوا بالتلخيص دون إشراكي بالعمل الذي يفترض أن يكون جماعياً، ما جعلني أشعر بالانكماش والاحباط. عندها قررت أن أشغل نفسي بترجمة الكلمات والفهم الدقيق لمحتوى الدرس.

دخل الكولونيل ثانيةً بطريقته الاقتحامية و بدأ يتجول للاطلاع على العمل، وقد كنا نحن المجموعة الأخيرة من حيث مكان الجلوس، لم يعجبه العمل حتى أنه رمى بعض الأوراق في القمامة لأنها لا تصلح لشيء حسب وصفه، وبنبرة غاضبة أخذ يشرح ويوضح أن محور عملنا هو مساعدة الطالب على فهم المعلومات وليس تعقيدها وتشويش ذهنه بالكثير من الكلام. ثم منحنا فرصة ثانية، وسرعان ما اختفى من جديد. بدى الجميع بحالة من الصدمة والحيرة، وبدأت القاعة تضج بالنقاشات الحادة، فلا أحد يفهم ما الذي يريده هذا الرجل سوى جعلنا دائماً نبدو كالحمقى. وفي خضم ذلك خطرت لي فكرة مختلفة أفصحتُ عنها لشركائي في المجموعة، لكن أحداً منهم لم يأخذها على محمل الجد، وبما أن الوقت كان يتسرب سريعاً أخذتُ المبادرة، وقررتُ أن أتحمل مسؤولية عملي بشكل فردي، وبدأت باستخدام موهبتي الصغيرة بالرسم لأصور الدرس على شكل الشجرة، وكل جزءٍ منها يرمز إلى شيء.

لا أستطيع أن أنكر مقدار توتري واضطرابي الذي تضاعف كثيراً عند حضور الكولونيل من جديد، كانت أوراق المجموعات الأخرى شبه فارغة، وكانت نظراته ووجهه المتلون تنبئ بازدياد غضبه، وكلما كان يقترب من مجموعتنا كانت ثقتي بنفسي -التي بالكاد أستجمعها- تضعف. وصل إلى مجموعتنا وقبل أن ينظر إلى ما كتبه زملائي توجه بأنظاره إلى الزاوية الأبعد من الطاولة حيث لوحتي، تناول اللوحة بطريقة خاطفة وتأملها لبرهة ثم ذهب مسرعاً باتجاه السبورة، بينما كنت ألوم نفسي، لأنه على وشك أن يجعل مني أضحوكة حقيقية. سرعان ما علق اللوحة على السبورة وكتب فوقها: “هذا عمل جيد”.ومنذ تلك اللحظة تغير كل شيء، نظرة الزملاء الذين أصبحوا يسرّون بالعمل معي، تعامل الأساتذة الذي بدى وراءه شيء من التقدير، والأهم نظرتي لنفسي ومقدار ثقتي بقدراتي وما يمكن لي أن أنجزه رغم الصعوبات البالغة.

مرت الشهور الصعبة على هذا المنوال المفعم بالتحديات المنوعة،و رغم تعبي حاولت دائماً أن أستمر بنفس الوتيرة في الاهتمام و الابتكار .أما عطلتي فغالبا ما كنت أقضيها في ترجمة وتدوين المعلومات ومذاكرتها، عوضاً عن الاسترخاء والتنزه مع عائلتي، ورغم تلعثمي باللغة شعرت بأني تمكنت من أخذ مكانة جيدة والتعويض عن الضعف الذي لدي. أخيراً اقترب موعد نهاية الدورة وتم تحديد يوم للاجتماع بهدف إطلاعنا على تقييمنا كلاً على حدى. كنت جالسة بشيء من التوتر في الرواق، أشاهد وجوه زملائي المتجهّمة غالباً عند خروجهم من الاجتماع، وطبعاً لم يكن ذلك مستغرباً،فالذي يتزعم الاجتماع هو الكولونيل الذي لا يرحم. دخلت في دوري وهيأت نفسي أن لا أهتم لما سيقال مهما كان لأني قدمت أفضل ما أملك وهذا يكفيني لأكون مرتاحة وراضية عن نفسي إلى أبعد الحدود.

في البداية ابتسم الكولونيل ربما ابتسامة تطمين، ثم أخذ يصف ضاحكاً حالتي وارتباكي في البداية، وكيف تمكنتُ لاحقاً من إظهار امكانياتي واستخدام مواهبي وتوظيفها بشكل جيد. وأظهر إعجابه بمبادراتي في قيادة المهمات مع أي مجموعة أعمل معها وعلاقتي الاجتماعية الطيبة مع جميع الزملاء على اختلاف أعراقهم، حتى أنه فاجأني بذكر تفاصيل لم أدرك أنه قد لاحظها يوماً، ثم أطرى كثيراً على مثابرتي وتقديره للجهد الذي بذلته حتى في وقت عطلتي (و لم يخطر لي أنه قد لاحظ ذلك). وبتوفيق من الله عز وجل تم منحي واحداً من أفضل عقود العمل. وبهذا وصلتُ مع نهاية الدورة إلى أبعد مما تخيلت بكثير ، وعرفت كم كان للكولونيل دور في تحفيز أفضل ما لدي من طاقات. واكتشفت لاحقاً أنه (رغم قسوة أسلوبه) في الحقيقة معلم فذ وصاحب أسلوب فريد. وهكذا غمرني الفرح بالوصول إلى نهاية سعيدة في رحلة التحدي الصعبة حيث طالما تطلعت للتواجد في المدارس لأكون جسراً لعبور طلابنا إلى بر الأمان في مدارسهم الجديدة.

التعليقات

تعليقات

Nadida Abou-jeb

مغتربة سوريّة تعيش في السويد, تعمل معلمة لغة عربية و مرشدة دراسية للطلاب العرب في المدارس السويدية.
مهتمة بالقضايا الإنسانية و التربوية و داعمة لقضايا التعليم و حقوق الطفل.
مدوِّنة بمجلة المرأة العربية في ألمانيا و المهجر.