مدونات

المرأة في أوثاننا الفكرية

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

في هذا الزمن الذي أصبح فيه الضرير مبصرًا، والجاهل معلمًا، وهجر فيه الناس أعماق الحقيقة بإرادتهم إلى عالم السطحيات، هنا يجب أن ندق ناقوس الخطر عن ظاهرة جديدة تغزو مجتمعاتنا وهي أمية المثقفين.  

جدتي – رحمها الله – كانت لا تجيد القراءة والكتابة ، ولكنها كانت مُدركة ومتيقظة بما يدور حولها، تعمل أعمالها المنزلية على صوت راديو البي بي سي BBC وتسمع آخر الأخبار البلد والعالم والمنوعات الثقافية، كنت في طفولتي عندما أناقشها في موضوع أحس كم هي متعلمة وتعرف الكثير، وكانت تطلب مني أن أقرأ لها عناوين الجريدة اليومية ، وإذا استوقفتها أسماء بعض السياسيين أو المشاهير خلال قراءتي، تقاطعني وتقص علي قصصهم أو حقيقتهم التي لا يظهرها الإعلام، وكم كانت تسعد وتستطيل ابتسامتها عندما أقرأ لها عن شخصية نسوية نشيطة وتقول لي “يسعد البطن اللي حملها ، أهم شيء التعليم يا ستي”، وأترك الجريدة وأعود لألعابي وهي تعود إلى المطبخ وعالمها المعرفي في صندوق الراديو الصغير.  

ومثل جدتي الكثيرات من النساء اللواتي لم يحالفهن الحظ بالتعليم، ولكن خبرتهن وعلمهن في الحياة تفوق الكثيرين من حاملي الشهادات، ففي أي موضوع كنت أستشير جدتي فيه تجدها تغور في أعماقه ولا تحكم عليه من عنوان سطحي سمعته هنا وهناك، و كانت تركز على الزمن القادم أكثر من تركيزها على ماضي فات ولن يعود. 

ولكن يشهد عالمنا الحالي إعصار حداثي من الجهل القادم من بعض المثقفين والمتعلمين، وبرغم العلم الذي يحمله أحدهم متمثلًا بشهادة جامعية أو لقب يزين فيهما شكله الاجتماعي، تكتشف من خلال حوار بسيط أو جدل أنه لا يجيد أبسط أبجديات أداب الحوار ويفتقر للمعرفة، والأنكى من ذلك أنك تجده متمسكًا بأفكاره الوثنية التي يعبدها ويقدسها وتحديداً في أحقية المرأة بالتعليم والعمل، وإن خالفت إيمانه بفكرة مثل المرأة خُلقت للبيت والمطبخ والعيال فسيحاربك بشراسة فاقت والد سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما أمر بإحراق ولده الذي حطم الأوثان.

وهنا عندما أتكلم عن أحد أشكال الوثنية الفكرية في عصر المعرفة والتكنولوجيا فيتشابه فيهاالحاضر بالماضي مع إختلاف الصور ، ولكن الفكرة موجودة بشكل يتناسب مع القالب الذي توضع فيه، فمثلاً تذكرني بأبو جهل القرشي، الشاعر وبليغ اللسان في عصره ، والتاجر الذي كان يطوف البلدان ومنفتحاً على ثقافات وحضارات مختلفة، إلا إنه كان مُصرًا على عبادة هُبل الأخرس والأصم المعجون من الطين، رافضًا أن يبصر إشراقة الفكرة الأخرى القادمة من عقر مدينته وقبيلته وهي الرسالة التي حملها سيدنا محمد عليه السلام.

ومن المؤسف أمثال هؤلاء الأميون المثقفون أشد خطرًا على مجتمعاتنا من الأمي الخام الذي لا يفك الحرف والذي يعتبر تحت تصنيف المؤسسات العالمية أمياً جاهلًا، فمثلهم من يأخذ من العلم المقدار القليل لتعزيز وثنية فكرهم ويبحث في سطور قصص من نسج الخيال لتعزيز فكرة المرأة خلقت للبيت والمطبخ والعيال على سبيل المثال، رافضاً فيها نداء العقل والتطور وتسارع الزمن وثورة التكنولوجيا، وكذلك يتفنن في إقتطاع ما يروق له من الآيات القرآنية بما يوثق فكرته المغالطة لمنهج معين ، أو يجتهد في جمع أراء كل ما يناسب أفكارهم متناسي إن المعلومة تحتمل كل أنواع النقاش مالم تكن حقيقة صريحة ولا بد من إثباتها بالمصادر العلمية الحقيقية وتجارب موثقة في علم الإجتماع والنفس وغيرها.

ولكن حرب هؤلاء الجهلة هي طويلة ضد أهل العلم والعقل وتشابه كينونتها سبب حرب داحس والغبراء التي امتدت أربعين عامًا بسبب ناقة،  لإن مفهوم المرأة في فكرهم هي كائن يضعونه في قالب من أربعة أضلاع من صنعهم ، فهي ضمن عقيدة فكرهم خُلقت لهذا القالب فقط ، ولا يحق لها أن تفكر خارج هذا الإطار وإن خرجت منه وتعلمت وتثقفت فقد أصبحت بالنسبة لهم كمن كفر بربوبية هُبل بل سيخافون أن تمشي في مجتمعهم المغلق وتكفر بهم على الملأ وتعلن صغر عقولهم بعبادة ما لا يضر ولا ينفع، وهنا تبدأ التصفية لمثل هؤلاء النساء بما يتوافق مع سطحنة أفكار الجهلة المستمدة بأنصاف الآيات القرآنية وتلفيقات تنسب إلى رسولنا الكريم ويحكم عليها ويحكم على هذه المرأة بأسوء ما قد يقال من مفردات إجتماعية. 

و أنا قد أتعجب من ثقافة هؤلاء التي لم تقرأ ما قاله حافظ إبراهيم إن “الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق”، ولم يقرأ عن أم المؤمنين خديجة – رضي الله عنها – التي كانت سيدة أعمال ولها تجارة تجوب البلدان وربت أمهات المؤمنين فاطمة ورقية وأم كلثوم – رضي الله عنهن -، ولم يسمع عن أول طبيبة في الإسلام وعن خولة بنت الأزور وعن أم سلمة ومريم الإسطرلابي وعن أم الدرداء التي قالت يومًا “عبدت الله بكل الوسائل، ولكني لم أجد أفضل من وسيلة في عبادته أفضل من مناقشة العلم مع العلماء الآخرين”، وتمتد القائمة من أقدم ما ورد بالتاريخ عن المرأة إلى ما وصلت إليه المرأة المعاصرة المتعلمة . 

لذلك لا بد لنا من مواجهة هذه الظاهرة بالعلم و أن نحمل فوؤسنا المعرفية ونهدم هذه الأوثان قبل أن تصبح مزاراً ومن مثلنا لن يخاف نار حربهم لأنها حتمًا ستكون بردًا وسلامًا علينا.

التعليقات

تعليقات

وسوم

Alia Abukiwan

باحثة وعالمة في المستشفى الجامعي في هايدلبرغ
حاصلة على درجة الدكتوراة في البيولوجيا الجزيئية في السرطان من جامعة هايدلبرغ ومركز السرطان الألماني
مديرة مجلة المرأة العربية في ألمانيا