الحياة في ألمانيا المرأة

المرأة المغتربة وصراع إثبات الذات

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

بقلم: د. علياء كيوان

مع موجة اللجوء التي حصلت خلال السنوات السابقة، وفقدت العديد من النساء العربيات الجدد وظيفتها في بلادها لتجد نفسها في ألمانيا كالطفل الذي يتعلم النطق والمشي، فالأيام تمر ثقيلة على سيدة كانت معلمة مرموقة في مدرسة ثانوية في بلدها، كانت قد إعتادت الإستيقاظ باكراً والخروج مع أطفالها كل إلى مدرسته،  تدخل مدرستها وتنهال عليها تحية الصباح من تلميذاتها وتباشر عملها في تدريس اللغة العربية وآدابها، وينتهي اليوم وتعود إلى بيتها مسرعة الخطى لإكمال واجب الأمومة ثم تجلس آخر الليل ما بين تصحيح أوراق إمتحانات وتحضير دروس اليوم التالي وهكذا في دورة حياة روتينية سنة بعد سنة ، وبعد عشر سنوات تجلس الآن في بيتها تنتظر أن تبدأ تعلم لغة غريبة عنها.

تمشي هذه المعلمة في طرقات المدينة الجميلة ولكنها في نظرها موحشة وقاحلة فهي إن قارنتها مع ذلك الطريق الذي يصل بيتها القديم بمدرستها في بلدها والتي تعرف كل حجر فيه. ويبقى هذا كله ذكريات جميلة تتلاشى أمام واقع حتمي لا يواجه هذه المعلمة وحدها بشكل خاص بل كل إمرأة عربية مغتربة والتي تبذل جهداً مضاعفاً لإثبات وجودها في مجتمع جديد، فهي فيه كالبذرة التي رميت في صحراء إن أرادت أن تعيش لا بد أن تتعايش مع ظروف مناخية جديدة أو أن تختفي داخل الرمال ولا يدري بها أحد.

البداية من تحت الصفر

كل بداية صعبة ولكن أن تكون من تحت الصفر للمرأة المغتربة ليس بالأمر الهين، حيث لا بد لها أن ترسم لنفسها خطة جديدة  لتصل إلى هدف كانت قد وصلته سابقا ولكن هنا في ألمانيا الوضع يختلف، ومعوقات البداية كثيرة ليست فقط التمكن من اللغة الألمانية فحسب، بل من الواقع الذي يقف بعد تعلم اللغة وتوقعات دخول سوق العمل من أوسع أبوابه بمجرد الحصول على مستوى B2 أو C1.

كثير من التخصصات التي درستها المرأة في بلدها الأم قد لا تجد لها مرادفاً بنفس الإسم الجامعي في ألمانيا، ولكن بإمكانها الحصول على معلومات وافية من خلال مكاتب العمل أو مكاتب نصح موجودة في الجامعات والمعاهد، وغالباً عدم توافق المسميات يسبب للمرأة صدمة كبيرة خصوصا عندما تكتشف إن سنوات الدراسة والخبرة في بلدها أصبحت هباءً منثورا وعليها أن تبدأ من تحت الصفر، وفوق كل هذا عدم تخيلها العودة إلى مقاعد الدراسة وبلغة غريبة بالكاد تستطيع التعبير فيه عن نفسها بشكل جيد.

البروقراطية الألمانية

في حال توافق تخصص المرأة في بلدها مع ما هو موجود في ألمانيا من تخصصات تظهر أمامها عقبة معادلة الشهادات العربية مع الشهادة الألمانية والتي تتطلب مزيداً من الوقت وعدداً إضافي من السنوات الدراسية، وهنا وبعد حصول المرأة على نتيجة المعادلة، إما أن تغلق هذه  باب التفكير بالعمل إلى الأبد والجلوس في بيتها خصوصا وإن كانت أماً ولديها أطفال أو أن تفكر في بدائل عملية  تتناسب وظرفها العائلي وبأقل وقت ممكن.

وإن إستطاعت المرأة تخطي كل ما سبق وحصلت على كل المؤهلات التي تؤهلها الدخول إلى سوق العمل، تقف أمامها إنتزاع فرصة العمل المناسبة، وهنا قد تجهل المرأة طرق إقتحام هذا السوق، حيث لا خبرة لها فيه، وكونها تنافس المرأة الألمانية والتي تعتبر المواطن الأصلي الأوفر حظاً، مما يزيد من حالة الإكتئاب والتقوقع بسبب رسائل الرفض المتتالية والذي يعنبر في ألمانيا أمر عادي جداً، وقد حدثتني زميلتي الألمانية يوماً إنها تلقت سبعين رسالة رفض قبل أن تحظى على وظيفتها الحالية، وهنا لا بد للمرأة العربية أن تتثقف عن الوضع العام لسوق العمل الألماني، وتبحث عن طرق تزيد من رصيدها الوظيفي إضافة لما تحمله من شهادة جامعية تمت معادلتها.

صراع الوقت

نهاية لا بد للمرأة العربية المغتربة إن أرادت إثبات نفسها في هذا المجتمع على المستوى الوظيفي أن تضع لنفسها خطة إستراتيجية واقعية جداً وليست ذات الإتجاه الأحادي، فعليها أن تكون منطلقة من ظروفها العائلية وخبرتها الدراسية والعملية إضافة لتمكنها من اللغة الألمانية، وهذا لا يمكن تحقيقه في غضون سنة، بل يحتاج إلى المزيد من التروي والحنكة حتى لا تقع فريسة الضغط النفسي واليأس، وهذا ما نراه ونلمسه في وضع المرأة العربية الحالي في صراعها على إثبات ذاتها، فنجدها تناست كل ما ذكر ووضعت نفسها في صراع مع الوقت فقط .

التعليقات

تعليقات

Maysoun Abuzugheib

صحفية فلسطينية تعيش في مدينة فرانكفورت في المانيا، تعمل مذيعة في راديو صباح الخير ألمانيا Good morning Deutschland
تعمل كمدربة مهارات حياتية ومن أهمها الاندماج في المجتمع وسوق العمل الألماني. عملت في المسرح الشعبي الفسطيني كممثلة وعضو في االجمعية الخاصة بالمسرح، ناشطة اجتماعية تعنى بكسر الصورة النمطية في ذهن الاوروبيين عن العرب وبالذات عن النساء، تهتم بقضايا الطفل والأسرة، كاتبة ومحررة مقالات في مجلة المرأة االعربية في ألمانيا.