مدونات

العنف الأسري

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

*هيفاء رجب

في عام 2012 حزمت فرح حقائبها و الحزن مازال يعتصر قلبها على فراق أمها التي وافتها المنية قبل إسبوعين من رحيلها إلى ألمانيا. سافرت و الأمل يملأ قلبها بأنها ستجد في حضن الرجل الذي ستتزوجه السلوان، وفي كلماته الصبر و العزاء، كيف لا وهو فارس الأحلام الذي أغرقها في فترة خطوبتهما القصيرة بالوعود الجميلة بحياة كريمة وبسعادة أبدية. كانت تعتقد أنه سيكون كالأب في حنانه والأخ في غيرته بل الوطن الآمن بعد فقدانها لوالدتها.

ما زالت كلماته الأولى لها في بلاد الغربة عالقة في ذاكراتها.” لقد اخترتك زوجة لي لأني وجدت فيك كل المواصفات التي أرغبها في المرأة التي ستهديني نشوة الانتصار والفرح! أقصد نشوة الانتقام من النساء …. فأنا أكره النساء”. انسِ ذاك الرجل الذي تعرفتي عليه!! فأنا هنا رجل آخر”. دعابة ثقيلة أم حقيقة مفزعة تلك! تساءلت فرح عن ذلك و لكن كان كافيا خمسة أيام لتعلم أن تلك الكلمات ما هي إلا ناقوس الخطر الذي دق باكرا في بداية حياتها الزوجية. ناقوس دق وصمّت أذناها عن سماعه مختلقة الكثير من الأعذار لزوجها. فبدأت رحى المأساة تدور حيث لا يمر يوم من الأيام دون إهانة او ضرب أو تعنيف.

لقد كانت سجينته المحرومة من أبسط حقوقها فلم تكن لديها ما يمكنها من الاتصال بأهلها. انتظرت لعلها تجد مخرجا و لم تطيل الانتظار ها هو زوجها يخرج تاركا لها جهاز الكمبيوتر فأسرعت واتصلت بعمتها مستخدمة Skype فأخذت تحكي لها عن معاناتها وترجوها أن يعيدوها لبلدها وفجأة تصرخ عمتها! إنه خلفك يا ابنتي! وما كادت تكمل عمتها تحذيرها حتى سارع زوجها بضربها على وجهها ويشد شعرها وهو يكيل لها أقذع الشتائم. كل ذلك وعمتها تشاهد ما لم تكن تحسبه إلا مشاهد عنف في دراما خيالية. لقد ضربها بعنف لدرجة قام بكسر جهاز الكمبيوتر على رأسها فأغمي عليها. في تلك اللحظات المرعبة جاء أصدقاء لهم بعد اتصال عمتها بهم لينقذوها، فنقلوها إلى المشفى، وعندما خرجت رفضت الرجوع إليه، بقيت عند صديقتها، ولكن والدته استطاعت اقناعها بالعودة مع الكثير من الوعود. فعادت ولكن هذه المرة ليست لوحدها بل كانت تحمل طفلا ينتظر الخروج للنور …للحياة! طفلا كان سببا في تعاسة زوجها، ومواساة لها فيما بعد.

مرت أشهر الحمل بكل ما تحمله من تفاصيل مؤلمة أوصلت بفرح إلى حافة اليأس الذي أدخلها في دوامة الاكتئاب فأصبحت تفكر بكل ما هو سيئ وكرهت المرآة التي كانت تخبرها عن حقيقة حياتها المؤلمة؛ فيكفي نظرة واحدة لتشاهد الهالات الزرقاء حول عينيها والخدوش الحمراء  التي تلطخ وجهها. وآثار دماء بقيت تذكرها ببشاعة ما حدث. إلا أن بصيص الإيمان في داخلها وحبها لقطعة من روحها كانا سببين ليجعلاها تتمسك بالحياة.

خرج ابنها للنور بعد عملية عسيرة ولحظات كادت تودع فيها الدنيا. ولم تمض أسابيع حتى عاد مسلسل حياتها المرير، ولكن هذه المرة أشد قسوة حيث كان يعتقد أنها أجبرته على تحمل مسؤولية لم يرغب بها. ولذا أصبح يسجل كل الفواتير باسمها نوعا من العقاب، ويلزمها بالصرف على العائلة التي صنعتها. لتتفاقم المشكلة وتزداد ألما علما بعد شهرين من ولادتها أنها حامل مرة أخرى!.

يقرر زوجها أن يخفف عليها الضرب ليقتصر على بعض من الصفعات في أغلب الأحيان. لم تكن تدري لماذا؟ أكان يحبها؟ وخاصة أنه بعد كل الضرب والإهانات يسارع ليعالجها وأحيانا يبكي لما فعله ويرجوها لتغفر له، أم كانت فكرة شيطانية تعشش في عقله. فلقد اشترى سيارة و أغرقها بالديون في ذلك الوقت.

كانت فرح ترفض أن تخبر الشرطة الحقيقة فكان خوفها بأن تحمل لقب مطلقة كبير، وخوفها من كلام الناس و بالذات في بلدها أكبر. وما يعظم المشكلة تعقيدا اعتقادها أنها غريبة فهي لا تستطيع أن تتكلم الألمانية مما يجعلها بحاجة له دوما وستكون بلا معين لها ولأطفالها بعد طلاقها. من سيعيلها لو تطلقت؟ سؤالا أرقها وجعلها دوما تصمت على كل ذلك الظلم والمهانة.

فرح التي كانت تدعو دوما”ربي اجعلني مظلومة و لا تجعلني ظالمة” صدمت وهي تشاهد التلفاز بأحدهم يقول” إذا كان الله يعاقب الظالم ألا يعاقب أيضا الساكت على ظلمه” تلك الكلمات الصادمة جعلتها تفكر من جديد في حالها: هل سكوتي فعلا يعتبر صبرا، أم هو ظلم لنفسي، ورضا بتعذيب روحاً سلمها الله لي أمانة؟ كيف أستطيع أن أربي أولادي في بيئة كلها خوف ورعب وصراخ. بل بيئة تخلو من القيم الانسانية والربانية؟

 كل تلك الأفكار التي تزاحمت وكبرت في عقل فرح جعلها تأخذ قرارها بحزم و جرأة فلقب مطلقة أصبح لديها لا يساوي شيئا أمام أن تعيش بكرامة و آمان هي و أولادها. لتعود لتحزم حقائبها و تودع حياتها البائسة هاربة من زوجها لتذهب إلى صديقتها، فما لبث أن لحقها زوجها .الذي ما إن فتح زوج صديقتها الباب له حتى أنهال عليها يكيل لها أقسى الضربات ولم ينقذها سوى مجيئ الشرطة لتخرجها من تحت يديه وهي في شهرها السادس. لتتعالج من كل الجراح والكدمات وبرحمة من ربها التي أيقنت أنه لن يتخلى عنها عاشت طفلتها في رحمها…

جاءت الشرطية لتقول لها حتى و ان لم تتكلمي سيتم رفع قضية على زوجك. فتتفاجأ لأول مرة بإمرأة أخرى بإمرأة قوية تطالب بحقها في الحياة وتطالب برفع قضية على من اغتصب كل حقوقها و جعلها إمرأة ضعيفة عاجزة.

تخرج فرح من المشفى لتنتقل الى بيت خاص بالنساء المعنفات. لتبقى فيه بعد تهديدات كثيرة من زوجها الذي أصبح طليقها بعد أربع سنوات. كانت في البداية حياتها شاقة و متعبة و لكن كانت تملك اليقين بأن الله معها فكانت تنظر من نافذتها كل ليلة و عيناها تذرفان دموع الرجاء سائلة ربها بأن يرحمها و ينقذها من بؤسها . كانت في كل تأملاتها تكتشف كم كانت مخطئة في حق نفسها و كم كانت مقصرة في حق بارئها . و أيقنت أن ضعف إيمانها بأن الله الرزاق الرحمن كان سببا في استمرار العذاب الذي عاشته. فرح كانت تجد بعد هذا اليقين و الإيمان العميق من رحمة الله الكثير ، فكان الخير يأتيها من حيث لاتحتسب. و وجدت يد العون تمتد لها من العديد من الناس. فزاد ذلك يقينها أن الله لا يغير أحدا حتى يغير ما بنفسه. و أن كلما وثق الإنسان بربه و بنفسه وقويت إرادته كلما نجح في تحقيق ما يريده. فالفرح بدأ يطرق بابها و كانت البداية بالانتقال الى بيت في مدينة أخرى.

فرح في طفولتها كانت تصنع من قطع القماش وعصا أجنحة لها لتحاول الطيران وكلما كانت تسقط تعاود المحاولات لعلها تطير رغم تحذيرات الأهل و الجروح التي كانت تصيبها.. فرح هي نفسها بعد سنين الظلم. تستجمع قواها لتكون الأم التي تحاول أن تحلق من جديد و تطير في سماء الحياة الكريمة. فلقد بدأت تمسك بزمام الأمور فركزت على بناء نفسها و تربية أبنائها فتعلمت اللغة الألمانية وتدربت في دورات للتنمية البشرية و قرأت العديد من الكتب لتستلهم منها العلم و الطرق السليمة لتصحيح أفكارها و نهج حياتها.

 فرح التي كانت كسيرة القلب الهاربة من ظلم زوجها أصبحت تشارك في العديد من المحافل لتشد على يد من تجرعوا كأس المرار و عاشوا عنف و قسوة رجال نسوا أن خيرهم من كان خيره لأهله .. فرح تزرع الآن الفرح في قلوب نساء يسعين للحياة من جديد. و نهضن من تحت الأنقاض.

فرح تقول لكل إمرأة معنفة: انفضي عنك ضعفك وخوفك وانطلقي فالله كرمك وأعزك و المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وانما الصبر على بلاء في رضا الله وليس الصبر على ما لا يرضي الله.


* الاسم مستعار لخصوصية الموضوع.

التعليقات

تعليقات

Maysoun Abuzugheib

صحفية فلسطينية تعيش في مدينة فرانكفورت في المانيا، تعمل مذيعة في راديو صباح الخير ألمانيا Good morning Deutschland
تعمل كمدربة مهارات حياتية ومن أهمها الاندماج في المجتمع وسوق العمل الألماني. عملت في المسرح الشعبي الفسطيني كممثلة وعضو في االجمعية الخاصة بالمسرح، ناشطة اجتماعية تعنى بكسر الصورة النمطية في ذهن الاوروبيين عن العرب وبالذات عن النساء، تهتم بقضايا الطفل والأسرة، كاتبة ومحررة مقالات في مجلة المرأة االعربية في ألمانيا.