مدونات

الإعلام يرتدي زي العنصرية

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

عائشة مزاحم

لا نستطيع أن ننكر أبداً أن ما نشاهده على التلفاز ونقرأه على شبكة الانترنت لا يسكن في عقلنا الباطن بطريقة أو بأخرى ! أصبحت حياتنا تعبر من عدسات الكاميرات وشبكات التواصل، بل وأصبح لكل منا منصة خاصة به، ينشر يومياته ويشاركها مع المتابعين، حتى أننا اعتدنا على رؤية الناس في الشوارع وهم يحادثون العدسات الأمامية لهواتفهم المحمولة، وأحيانا أتساءل في نفسي: ترى ما ردة فعل الإنسان الذي عاش في العصور القديمة لو رآنا في الشوارع نكلم قطعة حديدية في أيدينا !

لقد ساهم الإعلام بطريقة أو بأخرى في صناعة الفكر خلال السنوات الأخيرة، بل و أصبح سلطة عليا في أي دولة، ومقياس حريتها وديموقراطيتها، فكل دولة تراقب الإعلام وتقيده، هي دولة فاقدة للمصداقية وحرية الرأي والتعبير.

برغم الإيجابيات العديدة التي يحملها الإعلام للبشرية، إلا أنه ساهم بشكل سلبي في طرحه لبعض القضايا، فقد ترى العديد من الأفلام والبرامج التي تحمل معاني خفية تزرعها وترسخها في أذهان المشاهدين بدون وعيٍ منهم، حتى الإعلانات التي لا يتجاوز مدتها الدقائق القليلة، تترك بصمتها في العقول وتتحكم في إقبالك على منتج دون الآخر، حتى ولو بدت مزعجة في كثير من الأحيان.

تشكل الفكر العنصري منذ بداية خلق الانسان، فالفكر العنصري ليس فكر جديد أو مستحدث من الإعلام، لكن عندما جاء الإعلام، نجح وبشكل كبير في دس بعض الأفكار العنصرية بطريقة خفية، فمثلاً أميركا (الدولة المسيطرة على العالم) ادركت أهمية الاعلام في صناعة الفكر عند الشعب -الحقيقة التي لم نصل لها نحن المسلمون حتى الآن- فصورت الإسلام على أنه دين الإرهاب والقتل وسفك الدماء لتبرير ما تقوم به من حروب على الأراضي الإسلامية، فقد ترى أمريكيين يكرهون الإسلام كرهاً أعمى بالرغم أنهم لم يلتقوا شخصاً مسلماً طوال حياتهم، لكنهم استمدوا هذا الكره من الصورة التي أوصلها اليهم الاعلام عن الإسلام.

صادفت في إحدى المرات في أحد الأماكن العامة في ألمانيا، سيدة ألمانية تبادلنا معاً الحديث، فسألتني: “ألا تشتاقين إلى رؤية شعرك!“، لوهلة أربكني السؤال، فأدركت كم نحن مقصرون في رسم صورة صحيحة في أذهان الغرب عن حجابنا، فأوضحت لها الصورة بكل تفاصيلها وصححت لها فكرتها عن حجابي فقالت: “لقد أخبرونا أنكن أنتن المحجبات ترتدين الحجاب طوال الوقت حتى في المنزل وأثناء النوم“. طبعاً ” أخبرونا” هذه توجهنا إلى الإعلام في الغرب الذي رسم الصورة التي يريدها عنا.

“ازرع العنصرية، تحصد الحرب” هذا بالضبط ما يجنيه العالم المسيطر من دس الفكر العنصري في إعلامه، فكلما تفرقت البشرية وتعالى الحقد بين القلوب كلما سهل على المستعمر مهمته في الاستعمار، فكان الإعلام اليد الخفية في توطيد الفكر العنصري و توجيهه بالشكل الذي يريد. “كلما كان الوضع النفسي للجماهير مضطرباً وغير مستقر، كلما ازداد تأثير الدعاية، وعجز رجل الشارع العادي عن التمييز بين الحقيقة والشائعة “هارولد لاسويل

وكشف استطلاع للرأي – أجراه مركز (موري) المتخصص في استطلاعات الرأي في دول أوروبا الغربية: أن 1 من كل 5 أوروبيين يعتبرون وجود الأجانب وأبناء الأعراق الأخرى وقضايا الهجرة واللجوء السياسي من أهم الانشغالات التي تشد اهتمامهم وتسبب لهم الذعر. فصور الإعلام اللاجئين من مختلف الجنسيات على أنهم أناس مثيري للمشاكل وهم أحد الأسباب الرئيسية في ازدياد معدل الجريمة، فوضع الإعلام حاجز من الخوف والذعر بين سكان الأرض الأصليين واللاجئين الأجانب، مما أدى لظهور الكره والعنصرية بكل أشكالها، وصعوبة مهمة الاندماج مع هذه الشعوب. بالرغم من الجانب المشرق والإيجابي الذي حملته كل من تطور البشرية وثورة المعلوماتية، إلا أن البشر استهلكوا هذه الطاقات في الشر وتحريض المجتمع.

حتى نحن المسلمون في نفس كل واحد منا نزعة لعرقة أو لقبليته أو لونه، على الرغم من توحيد الإسلام للبشرية ومعرفتنا بالقاعدة القرآنية التي تقر بأن البشر سواسية ولا فرق بينهم الا بالتقوى عند الله. لكن الإعلام نال منّا ووجهنا الى المسار الذي يريده، فلم نعد ننظر الى بعضنا بنظرة الا يشوبها التطرف او الحقد. و كما قال “نيلسون مانديلا “: لا يوجد إنسان ولد يكره إنسانا آخر بسبب لون بشرته أو أصله أو دينه..الناس تعلمت الكراهية وإذا كان بالإمكان تعليمهم الكراهية إذاً بإمكاننا تعليمهم الحب .. خاصة أن الحب أقرب لقلب الإنسان من الكراهية.

لكن السؤال هنا، هل فعلاً من يسيطرون على الإعلام العالمي يريدون ترويج الحب بين الشعوب ؟! أم أنها تجارة خاسرة بالنسبة لهم و لمصالحهم ؟! انتجت شركة والت ديزني في الأعوام الماضية، فيلم الكرتون الأسد الملك “The Lion King” وقد صورت الملك الأب “موفاسا” وابنه الشبل سيمبا على انهما مثال في النبل والقوة و حب الخير، أعطت كل منهما جمال البشرة الفاتحة والشعر الأشقر.  في المقابل صورت الجهة الشريرة في الفيلم بمجموعة من الضباع الذين يتكلمون بلهجة الزنوج الأمريكان ويملكون بشرة قاتمة اللون، كما أن زعيمهم هو أسد لديه ندبة ولونه أسود وكان يحاول قتل أخيه الأسد الملك.

هل يعقل أن يكون كل ما رأيناه في الفيلم الكرتوني وتوزيع الألوان والشخصيات هو محض صدفة !؟

التعليقات

تعليقات

Maysoon Jabareen

صحفية فلسطينية تعيش في مدينة فرانكفورت في المانيا، تعمل مذيعة في راديو صباح الخير ألمانيا Good morning Deutschland
عملت في المسرح الشعبي الفسطيني كممثلة وعضو في االجمعية الخاصة بالمسرح، ناشطة اجتماعية تعنى بكسر الصورة النمطية في ذهن الاوروبيين عن العرب وبالذات عن النساء، تهتم بقضايا الطفل والأسرة، كاتبة ومحررة مقالات في مجلة المرأة االعربية في ألمانيا.