مدونات

إمرأة عربية وعطاء بلا حدود

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

اسمي رواندا فواز دراغمة المعروفة بليندا شبانة مولودة في لبنان وشهادة الميلاد من سورية، أردنية الهوية، والأصل فلسطيني، عشت طفولتي المبكرة في تونس وما ان كنت في السادسة حتى ارتحلت مع عائلتي إلى النمسا ثم إلى ألمانيا! والآن أحمل الجنسية الألمانية.

هكذا بدأت ليندا حوارها معي فلم أجد سوى القول: إنه حال اهل الشتات الفلسطيني، فكانت كطائر مهاجر حط على أغصان أشجار أختلفت جذروها، وارتوى من ماء سرى في عروقه فأصبح إنتماؤه لكل بلد تلفح بشمسها واستنشق هواءه. 

قصة ليندا شبانة تشابهت تفاصيلها في بداية حياتها مع كثير من العربيات اللاتي قدمن إلى أوروبا وإن عنونتها بفتاة طموحة ومحبة للعلم، ثم لتتوجها بالنجاح والتفوق في الثانوية العامة من أكاديمية فهد ببون مع شهادة الطالبة المثالية. وبشهادتها الثانوية تنتقل الى مؤسسة الحياة الزوجية! نعم تزوجت وعمرها لم يتجاوز الثامنة عشر، حيث أن عائلتها كان لديها الخوف على ابنتهم من الانجراف مع تيار التحرر والحياة الغربية. لذا سارعوا بتزويج ابنتهم ليندا من طالب يدرس الطب، تضحك ليندا متذكرة أهلها وخوفهم التي تراه نوعا ما غير مبرر، ورغم أنها كانت تحلم بدخول الجامعة، إلا أنها رضخت للأمر الواقع، ولكنها لم تتردد أن تكون تلك المرأة العظيمه التي تقف بجانب زوجها “وائل شبانة” ليكمل تعليمه ويتخصص ليصبح طبيبا بارعا في مجاله.

وخلال تلك الفترة تصبح أما تبذل قصارى جهدها كأم حملت أمانة تربية اولادها التربية الحسنة، فكان هدفها تعليمهم القيم النبيلة واحترام القوانين والتزام الأخلاق الحميدة. تمضي تسع  سنوات يكبر فيها الأولاد ويكبر معهم حلمها الذي طالما تغنت به، واعتقد الغير أنها تغني نشازا. حلمها الذي لم تتخلى عنه رغم وجود الكثير من الأعباء بوجود أربعة أطفال وزوج يعمل ليل نهار بحكم مجال عمله.

كان حلمها بإكمال تعليمها هو الهدف التالي الذي تريد تحقيقه، وبدخول أصغر أطفالها الروضة، تنتهز الفرصة لتدرس علم النفس، وبعد سنتين من دراستها لم تجد ذاك الشغف الذي يجعلها تستمر، فتغير مسار طريقها لتدخل كلية الحقوق التي وجدت إنها لن تستطيع أن تكمل فيها المشوار، لتنتقل الى كلية السياسة و الإعلام، و يبدو أن جذورها وجيناتها الفلسطينية -حيث أن والدها كان سياسيا للنخاع- جعلاها تذوب عشقا في هذا العالم الذي يعبر عنها أولا، وعن حبها للتعبير عن مكنوناتها وأفكارها التي استقتها من عالم الكتب ونهمها للقراءة. فتكمل دراستها في كلية السياسة والإعلام.

وخلال مشوارها التعليمي هذا لم تنقطع ليندا عن تدريس الأطفال اللغة العربية تطوعا في عديد من المراكز. كانت كثيرة التنقل مع عائلتها من مدينة إلى اخرى، وبانتقالها الى مدينة Bad Oeynhausen تتغير حياة ليندا الروتينية إلى حياة لها معنى آخر، حياة تشعر أنها لها بصمتها في المجتمع الذي تعيش فيه، ففي الوقت التي كانت تعلم فيه الأطفال اللغة العربية في احدى المدارس تعرفت على سيدة شجعتها على الانضمام إلى مجموعة من السيدات من مختلف الجنسيات interkulturelle Frauengruppe In Vlotho، فما لبثت حتى اثبتت جدارتها بشخصيتها القوية، وحضورها المميز، وقدرتها على الاقناع،  لتصبح المسؤولة عن تنظيم المحاضرات والاجتماعات، وتستضيف كثير من المثقفين والسياسيين ورؤساء nالبلديات الألمانية. 

كانت تعلو كل منبر مذكرة بقضيتها الأولى مدافعة عن حقوق المرأة المسلمة في المجتمع الالماني، مما شجع مديرة احدى المدارس الثانويه (الجمنازيوم) لاستضافتها لتشرح للطلبة عن قضية فلسطين، ولتتحدث لهم عن المرأة المسلمة والحجاب، جاعلة منها نموذجا للمرأة العربية المثقفة والواعية.

ومن ثم انهالت عليها العروض لتعتلي منابر الجامعات والمعاهد متحدية الظروف القاهرة التي كانت تواجهها، هذا النجاح فتح لها ولزوجها الطبيب وائل باباُ لعالم آخر! عالم دخلته دون تردد مرافقة فيه زوجها، فكلاهما انضما لمنظمة Hammerforum، هذه المنظمة الإنسانية التي كافحت لأجل أطفال مرضى القلب، والتي كانت حالاتهم أقرب للموت منها للحياة، فكانوا على شفا حفرة من الموت، وبرحمة من الله قدّر لهم الحياة على يد أناس علموا أن لا طعم لحياتهم دون أن يخففوا آلالام الغير ويكون في قلوبهم الرحمة لينقذوا من لم يستطع الصراخ طالبا النجاة. فلا سمو لأهدافهم إن لم تكن لإحياء غيرهم، فمن أحيا نفسا كمن أحيا الناس جميعا. 

بهذه المبادئ السامية كانت هذه المنظمة تجمع التبرعات لإحضار أطفال من أفريقيا واليمن إلى ألمانيا، لصعوبة العلاج وقلة الامكانيات، وعظم التكاليف في بلدانهم، ويتم إعادتهم لبلدانهم. لقد كان الأمر المحزن في أن الأطفال يأتون بمفردهم رغم ان أعمارهم تتراوح بين السنتين حتى الثامنة عشر. فكان بعضهم لا يحتمل بعده عن أهله، فيعاد الى وطنه لشدة حزنه دون أن يكمل العلاج، فما كان من ليندا إلا أن تفتح باب بيتها لتجعله الحضن الدافئ والمسكن المريح لهم وخاصة للأطفال العرب، فهي تتكلم لغتهم وتشاركهم آلامهم وأوجاعهم، كانت هي من تحدد المواعيد وتنقلهم للعلاج إلى المستشفى، وتسهر على راحتهم اثناء العمليه و بعدها حيث أن عمليات القلب المفتوح أو القسطرة  تستلزم منها الكثير من الجهد ، و السهر ، فجافاها النوم لساعات و لربما لم تعرف طعم النوم سوى ساعة من نهار أو ليل. كانت تتحدث مع أهاليهم حتى يطمئنوا على أولادهم وحتى لا يشعر الطفل بالغربة والفراق. كانت أما وممرضة وحاضنة؛ بل و يدا يمنى لزوجها الذي كان مديرا للمشفى الذي يتعالج فيه الأطفال.

كانت أياما وإن صعبة الا أنها الأجمل في حياتها، كانت مع زوجها وأطفالها يشعرون روعة أن ترسم الابتسامة على وجوه الآخرين. وكم كان مؤلما أن تودع أطفالا كانوا لايستغنون عن وجودها بينهم، فكانت نظراتهم كافية لتشكر ليندا وأسرتها ولتقول: لن ننساك ماما ليندا. هذه المنظمة تعثرت جهودها نوعا ما لشح التبرعات بعد الموجة الاعلامية التي شوهت الاسلام والعرب، ولكنها عادت وبقليل من التبرعات لتحاول جلب عشرة أطفال خلال الفترة القادمة من غزة، أطفال استعصى الفقر على أهاليهم لدفع تكاليف العلاج واستعصى أمر علاجهم على بلدهم المحاصر. ليندا التي ناضلت لإجل احضارهم رغم وجود معوقات كثيرة صعوبات جمة، ستعود لتفتح بابها لتحتضن اولئك الأطفال وتستقبلهم كأولاد لها لم تنجبهم و لكن انجبتهم بإنسانيتها الرائعة! 

كل تلك النجاحات أهلت ليندا لتترشح ضمن 134 امرأة ليتم اختيار ها من ضمن أفضل 5 نساء أقوياء تحدين الصعاب وأثبتن جدارتهن وحبهن للانسانية والعطاء. لقد تقدمت الصفوف بإنجازاتها المميزة لتكون الأفضل. ليندا شبانة عربية لمعت كنجمة في سماء الحب و الايثار. هي تعتقد ان الهوية والجنسية لا تحدد كم العطاء بل إنسانيتنا ومبادئنا وقيمنا هي التي يجب أن نتبع خطاها في تعاملاتنا، و نجعلها هدفا تصبو اليه آمالنا. ليندا تهمس في إذن كل إمرأة عربية لا الزوج ولا الأولاد ولا الحجاب يشكلون عائقا أمام تقدمك وتميزك، فكوني المرأة القوية التي تعلم أن الايمان لا يكتمل الا بالعمل الصالح والعطاء النابع من القلب، وأنك سيدتي الرائعة قادرة على أن تكوني طيرا مهاجرا يرفرف بجناحيه ليظلل بالخير حياته وحياة كل من رآه.

حاورتها: هيفاء رجب

 

التعليقات

تعليقات

Maysoon Jabareen

صحفية فلسطينية تعيش في مدينة فرانكفورت في المانيا، تعمل مذيعة في راديو صباح الخير ألمانيا Good morning Deutschland
عملت في المسرح الشعبي الفسطيني كممثلة وعضو في االجمعية الخاصة بالمسرح، ناشطة اجتماعية تعنى بكسر الصورة النمطية في ذهن الاوروبيين عن العرب وبالذات عن النساء، تهتم بقضايا الطفل والأسرة، كاتبة ومحررة مقالات في مجلة المرأة االعربية في ألمانيا.