مدونات

أوجاع في حقيبة سفر

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

نديدة أبو جيب

بدأت دربي الطويلة في يوم صيفي حار، منعتُ فيه ابنتي من حمل ألعابها المفضلة في أمتعتنا التي جهزناها على عجالة خلال ثلاثة أيام فقط، حيث كنا قد اكتفينا بحمل بعض الملابس والحاجيات الخفيفة لقضاء إجازة قصيرة. يومها كانت دمشق تغلي في سكون محموم كما يستعر الجمر تحت الرماد، لذلك قررنا قضاء الصيف في الاسكندرية ريثما تهدأ الأمور. تركن بناتي الثلاث ألعابهن مصففة في أماكنها على الأرفف والأسرّة، وتركتُ ملابسي وأدوات تجميلي في أماكنها داخل الخزانة والأدراج، وترك زوجي أوراقه وكتبه في مكتبه كالمعتاد، حتى مرطبانات الرز والحبوب و البهارات كلها ممتلئة في أماكنها المعتادة في المطبخ. لقد بدى بيتي حيوياً يضج بالحياة الطبيعية كما كان دائماً خلال حياتنا اليومية، ولم يبدُ يومها على استعداد للذهاب في غيبوبة طويلة. ألقيت على منزلي النظرة الأخيرة وشعرت بأني سأشتاق له رغم أننا لن نغيب لأكثر من شهر أو اثنين على أبعد احتمال، حيث سنعود مع نهاية الصيف، وربما قبل ذلك إن تحسنت الأوضاع. ألقيت ثانية نظرة وداع أخيرة، وتوجهت مسرعة إلى بيت أهلي لأقضي معهم آخر ليلة لي قبل السفر. ودعت وجه أمي الحزين والمشتاق حتى قبل مغادرتنا بخوف شديد، لأني لا أريد أن أفرغ الدموع التي أحتبسها. كنت أعرف تماماً أنها إن بدأت لن أتمكن من إيقافها أبداً، فأمامي رحلة طويلة، وأحتاج كل الطاقة التي أملكها لأصل إلى وجهتي بسلام.

وصلت الاسكندرية ليلاً بعد رحلة طويلة نسبياً، وكان حبي لها قد ولد من النظرة الأولى، وهناك بدأتُ حياة جديدة بطريقة مختلفة جذرياً، حولتني فجأة من شابة مدللة في بيتها، لها حضورها في مجتمعها، إلى امرأة سورية مسكينة تحاول تدبر شؤون أسرتها في مجتمع جديد لا تعرف عنه شيئاً، وبظروف جديدة تماماً، وغير معتادة. مر الصيف سريعاً وبدأت مواعيد المدارس بالاقتراب، وبسبب ازدياد الأوضاع سوءاً في دمشق كان لابد من تمديد إقامتنا في الاسكندرية لبضعة شهور، وتطلب ذلك تسجيل الأولاد في المدرسة ربما لفصل واحد أو عام دراسي على أبعد احتمال ريثما تهدأ الأوضاع في سوريا، ونتمكن من العودة إلى بيتنا الجميل.

مرت الأيام بتحديات وصعوبات كثيرة ومختلفة في المجتمع الجديد، خصوصا ًبالنسبة للأولاد الذين شعروا بالشوق لبيتهم ومدرستهم وحتى ألعابهم التي منعتهم من حملها وما زلت نادمة على ذلك حتى هذا اليوم. و مع ازدياد وطأة معاناتنا كان الأمل في العودة يخبو يوماً بعد يوم على وقع الأخبار التي تزداد سوءاً. عندها بدأ زوجي رحلة البحث الحثيثة عن عمل في كل البلاد من أقصى شرقها إلى غربها، فلم يعد مهماً إلى أين نتجه، المهم الاستقرار في مكان ما نجد فيه الأمان الاجتماعي والاقتصادي.

لطالما تيقنت بأن رجلاً لامعاً مثل زوجي يحمل شهادات عليا من جامعات أجنبية ولديه خبرات مهنية في مجالات تقنية متطورة، لن يصعب عليه إيجاد عمل جيد، وفعلاً كان يجد الكثير من الفرص في بلاد متعددة وينجح بجدارة في مقابلات التوظيف التي يجريها عن طريق وسائل التواصل، وأثناء إجراء معاملات الإقامة يأتيه الرد بالاعتذار الشديد، والسبب دائماً: تعذر إجراء إقامة عمل لمن يحمل الجنسية السورية! وهكذا أصبح مكان ولادة الإنسان والجنسية التي يحملها سبباً في تعطيل كل إمكانياته وتدمير حياته.

مرت السنة سريعاً، وبدأنا بعامنا الثاني، وخلال ذلك كانت أوضاعنا الخاصة والأوضاع العامة في كل من سوريا ومصر على السواء تزداد سوءاً، ومع ازدياد الخناق وتبخر حلم العودة، كان لابد من القيام بخطوة جريئة تقودنا للجانب الآخر من العالم، الجانب المزدهر والحر حيث يمكن أن نكسر الطوق الذي يحاصرنا حدَّ الاختناق.

وهكذا وفي ليلة شتائية باردة وقفتُ عند النافذة أراقب أضواء السيارة التي تقلُّ زوجي إلى رحلته المجهولة في البعيد الغامض، ظللت أراقبها بينما كانت تخفت تدريجياً وسط الشارع المقفر إلى أن اختفت تماماً في الظلام البعيد. بقيتُ لبرهةٍ واقفةً هناك أحدّقُ بالعدم، بينما تلفح الرياح الباردة وجهي، وتتطاير معها الدموع التي خنقتُها طويلاً أثناء الوداع المؤلم. أغلقتُ النافذة أخيراً، وتذكرت وجه زوجي الذي كنت قد ملأتُ منه عينيَّ قبل المغادرةِ، بينما يعتصر قلبي سؤال واحد: متى سألقاهُ من جديد ؟! التفتُّ خلفي و رأيتُ بيتاً مظلماً وخاوياً كقبرٍ موحش، دخلت غرفة بناتي حيث كنّ في سكون جميل، غارقات في نوم دافئ ومري ملأت عيني بهن وكأني أضمهم بها، فاليوم قد أصبحتُ لهم الأم والأب والملاذ الوحيد في هذا العالم الكبير والمخيف. جففتُ سيل الدموع عن وجهي، وقررتُ من أجل بناتي أن أصمد كجبلٍ شاهق، ثم توجهت إلى سريري البارد في محاولة يائسة لأخذ قسطٍ من الراحة بعد مرور واحد من أقسى الأيام في حياتي.

مرت الأوقات بتثاقلٍ شديد، وأرخت الأوضاع السيئة بظلالها على منزلنا الخاوي إلا من ركنٍ صغيرٍ في أقصى البيت، تجلس فيه الأم الوحيدة وهي تضم براعمها الصغيرة تحت جناحيها المتعبتين، وتتصنع على وجهها ابتسامةً مرهقة، لعلها تحفزهم فيها وتبعث لهم رسائل الاطمئنان الذي تفتقده في داخلها. كم حلمت يومها بأطياف تطرق باب البيت الموحش لتحمل إليه شيئاً من الأمان المفقود، لكن مرت الأيام القاسية تلو الأيام الكئيبة ولم تطرق الأبواب إلا رياح الشتاء الباردة. مرّ عام ثقيل بهمومه وعثراته وتحدياته و شجونه، وبفضل الله تعالى وبعد كفاح مرير أزف أخيراً موعد الرحيل المنشود.

كنت وبناتي في حالة من الفرحة الغامرة للقاء والدهم الذي كدنا ننسى ملامح وجهه بعد أن أرهقته وأرهقتنا الوحدةُ الموحشةُ في الغربة القاسية، ولا يمكنني مهما استجمعت حروفي أن أصف روعة اللحظات التي التقت فيها العيون المشتاقة بالعيون المتعبة، وتكللت الوجوه الذابلة أخيراً بفرح حقيقي، وتعالت الضحكات العفوية لتملأ أرجاء القاعة في المطار. كان انفعال اللقاءِ مدوياً حتى أنه قد استوقف العابرين تأثراً بمشهد العناق العائلي الفريد الذي يحاكي لقطات النهايات السعيدة في الأفلام السينمائية، لكن بوهج حي مفعم بالمحبة الحقيقية الدفاقة.

 

التعليقات

تعليقات

Nadida Abou-jeb

مغتربة سوريّة تعيش في السويد, تعمل معلمة لغة عربية و مرشدة دراسية للطلاب العرب في المدارس السويدية.
مهتمة بالقضايا الإنسانية و التربوية و داعمة لقضايا التعليم و حقوق الطفل.
مدوِّنة بمجلة المرأة العربية في ألمانيا و المهجر.