مدونات

أم الدنيا بعيون سورية

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

نديدة ابو جيب

عندما تدخل من باب المتحف الوطني في القاهرة يهولك ضخامة ما ترى! تتجول هنا وهناك وتدهشك كمية ونوعية الأشياء حتى تحتار ما الذي تريد أن تطيل البقاء أمامه لتتفحصه أكثر. يشدك الفضول لاستكشاف كل شيء عن ذلك العالم الغامض، وبينما تقف أمام كل قطعة يدور في ذهنك ألف سؤال وسؤال، هذا الطبق هل حقا كان يأكل به بشر مثلنا قبل خمسة آلاف عام، و ما نوع الطعام الذي كان يوضع فيه ?! هذه الأسرّة والكراسي الغريبة، هل كانت مجرد قطع أثاث للاستخدام اليومي تماماً كالتي في بيوتنا؟! الحلي النسائية والخواتم، أرى خلف كل قطعة منها امرأة، وأتساءل هل كانت سعيدة أم مقهورة ؟!!
اللوحات والرسومات والكتابات الهيروغليفية التي حافظت على ألوانها رغم مرور ذلك الدهر كله، هل هي كالكتب التي نحفظها في مكتباتنا؟ وما تلك القصص والاحداث التي ترويها هذه الأبجدية الغريبة!

أما في قاعة المجوهرات الملكية يصاب العقل بالحيرة من تخيل حجم الثروات والكنوز التي تمتع بها كل واحد من هؤلاء الملوك، إضافة لمظاهر العظمة المبهرة التي كانوا يخرجون بها على الملأ من الناس، أقنعة، تيجان،أحزمة، أحذية، أغلفة للأصابع، والكثير من الحلي التي لم أر شيئاً يشبهها من قبل وكلها من الذهب الخالص طبعاً، إضافة للعربات والتوابيت والغرف الملكية بمختلف أحجامها، وكلها مقتنيات مهيبة تروي قصة  مُلك وتفخيم وتقديس لا أظن أن بشراً قد نال مثلها على مر التاريخ، ولا يمكنك عندما تراها إلا أن تستشعر غصة وآلام عموم المستضعفين المقهورين الذين عانوا حياة العبودية تحت سطوة الفرعون المترف المتجبر !

تتجول منهمكاً في التفكير، وكلما طالت الجولة يدخل العقل في حالة بين الاندهاش والتعجب من حجم تلك السطوة العملاقة التي مرت على البشرية في ذلك الزمان الغابر، وبين الاعجاب بالعلوم التي برعوا فيها، والتي ساهمت في وصول هذه المقتنيات إلينا رغم مرور كل هذا الدهر الطويل.
يبقى أن تنهي جولتك المثيرة في المتحف داخل قاعة المومياوات الملكية، حيث تجد نفسك في شعور من الهيبة لقدرة الله تعالى يصعب وصفه بينما تشاهد بقايا انسان كان يمشي في الأرض، ويتكلم، ويأكل الطعام، قبل آلاف السنين! نراه شاخصاً أمامنا بتفاصيله البشرية، لا يحجز بيننا وبينه إلا لوح من زجاج فقط!

تتابع جولتك في أرجاء القاهرة التي يمتزج سحرها بنيلها الرائع، حيث يدهشك بقوته وضخامته نهاراً، و يسحرك برقته و عذوبته عند حلول المساء الوادع.
تتجول في أرجاء المدينة التي تضج بالحياة كعروس لا ينهكها السمر الجميل، إلى أن تصل حي الحسين، حيث يستقبلك المسجد الكبير بواجهته المميزة بالنقوش وبتصميمه المعماري الإسلامي العريق، وبأنواره الساطعة التي تغمر النفس بمشاعر دافئة، وكأني بينما أمر بجانبه أسمع وقع حوافر الخيل الهادر  على تلك الأرض المرصوفة، لعله القائد قطز مع جيشه المغوار قد مر من هنا عائدا من نصره المظفر عندما أنقذ البلاد من همجية الزحف المغولي.

تتابع المسير لتدخل خان الخليلي، وبخطوة واحدة تجتاز بوابة تنقلك في لحظات لعالم ألف ليلة وليلة، تشاهد المطرزات الملونة من حولك، التحف المزركشة، الفوانيس الساطعة، والحلي الغريبة، وسط أجواء تراثية ساحرة، حتى يخيل إليك أنك ترى شهريار مضطجعاً تحت إحدى القناطر محاطاً بالأرائك ومعه شهرزاد تروي قصتها الشيقة وهي تسدل إحدى تلك الأوشحة الشفافة على شلال شعرها العربي المتموج بعتمته كظلمة ليل أكحل، وتعكس أضواء الفوانيس الملونة بريق عينيها المشبعتين بفطنة النساء العربيات وجرأتهن الخجولة.

تتوغل داخل الأزقة الضيقة، وكم تشدك روائح العطور الشذية للتوغل أكثر وأكثر، ثم تتساءل، هل مرت شجرة الدر لتوها من هنا، هل جرجرت فوق هذه الأحجار السوداء أذيال ثوبها، و هل هذا العبير الأخاذ هو ما تبقى من فوح عطرها؟! تصل في عمق الخان إلى مقهى الفيشاوي العريق، و من بين غمامة دخان الأراجيل تلمح طيف الأديب نجيب محفوظ جالساً في أقصى المقهى، محاطاً بنخبة من المثقفين والمبدعين التي اشتهرت مصر بإنجاب أمثالهم. وأخيراً تنهي جولتك الفريدة على أحد طاولات المقهى المشبع بعبق الماضي برشفة من الشاي القاهري بنكهة الماضي الجميل.

التعليقات

تعليقات

Nadida Abou-jeb

مغتربة سوريّة تعيش في السويد, تعمل معلمة لغة عربية و مرشدة دراسية للطلاب العرب في المدارس السويدية.
مهتمة بالقضايا الإنسانية و التربوية و داعمة لقضايا التعليم و حقوق الطفل.
مدوِّنة بمجلة المرأة العربية في ألمانيا و المهجر.