سلوكيات و مجتمع

أخلاق… و لكن!

اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

بقلم: نديدة أبوجيب

عندما كنت جديدة في السويد اصطحبت أولادي يوماً في نزهة إلى صالة ألعاب، حيث صادف وجود بعض الآلات التي تتطلب تشغيلها بعملة معدنية. 
وجدت نفسي يومها في مأزق لأن كل ما أحمله هو بطاقتي البنكية التي أستغني بها تماماً عن التداول بالعملة، و لحسن الحظ أنه توفر في المكان آلة للسحب النقدي، لكن لم يتوفر فيها إلا أكبر ورقة نقدية في السويد من فئة خمسمئة كرونة سويدية، حصلت عليها ثم توجهت لموظفة “البوفيه” حيث دُونت هناك ملاحظة كبيرة بأنه يمكن صرف العملة الورقية بأخرى معدنية.
لم تبدُ الموظفة سعيدة بالتعامل مع لغتي الثقيلة خصوصاً مع وجود زحام كبير و طابور طويل ينتظر منها الكثير من الخدمات، لكنها قامت بعملها و استبدلت لي بسرعة الورقة الكبيرة من فئة الخمسمئة بأوراق نقدية من فئة المئات مع تبديل إحدى المئات بعملة معدنية.
غادرتُ المنصة بينما أحسب النقود لتوقعي وجود خطأ، و سرعان ما عدت أدراجي إلى الموظفة التي بدت منزعجة حقاً من مراجعتي لها رغم انشغالها الشديد.
بالطبع لم تسعفني اللغة لشرح المشكلة جيداً بينما كانت هي تقاطعني بشيء من الإستياء و الإصرار على أنها قد أعطتني حقي كاملاً، لكني كنت أكثر منها إصراراً على أن تأخذ المال من يدي و تقوم بعده بنفسها، و عندما يئست من إقناعي تناولت النقود بشيء من العصبية و بدأت بالعد أمامي بتمهل لتثبت لي كم أنا غبية و لا أفهم شيء في علم الحساب.
لكن كم كانت دهشتها كبيرة عندما اكتشفت أخيراً و بعد إعادة عد النقود لأكثر من مرة بأن مجموع ما أعادته لي هو سبعمئة كرونة، أي بما يزيد كثيراً عن حقي، و أني أناقشها لأعيد لها الزيادة و ليس كما توهمت بأني أطالبها بالمزيد!
لا أنسى ابتسامتها التي تضمنت الكثير من الاعتذار الممزوج بالتقدير لموقفي، و كم صافحتني بحرارة حتى كادت تعانقني من خلف الطاولة، و شكرتني مراراً و تكراراً مع الاعتذار، و هكذا انتهى الموقف الذي أعتبره موقفاً طبيعياً و عابراً.
لكن ما أثار استغرابي يومها كلام سيدة بصحبتي كانت شاهدة على الموقف، قالت لي ضاحكة: لو كنت مكانكِ ما راجعت هذه الموظفة العنصرية المتعجرفة العنيدة و كنت لأدعها تتحمل نتيجة خطئها، و أفوز بمبلغ إضافي ليلعب به الأولاد، و بعد نقاش طويل أكثرتْ فيه قول “ولكن” قلت لها: مثل هذه المنزلقات هي أفخاخ حقيقية لنزاهتنا!
فبين ضغوط الحياة و مطامع المكاسب  _التي يمكننا اختلاق عشرات بل مئات التبريرات لها_ تتآكل المبادئ و القيم لدرجة الاهتراء، حتى لا يبقى منها أكثر من ورقة بالكاد تستر سوأة الجشع و الأنانية.
فما قيمة كل الأخلاق التي ندعي إذا لم تصمد أمام موقف عابر و إغراء مبلغ من المال؟!!
يا عزيزتي ..الأخلاق و القيم لا تحتمل و لكن!!

بقلم: نديدة أبوجيب

التعليقات

تعليقات

Nadida Abou-jeb

مغتربة سوريّة تعيش في السويد, تعمل معلمة لغة عربية و مرشدة دراسية للطلاب العرب في المدارس السويدية.
مهتمة بالقضايا الإنسانية و التربوية و داعمة لقضايا التعليم و حقوق الطفل.
مدوِّنة بمجلة المرأة العربية في ألمانيا و المهجر.