اعلانات مدعومة

فيديوهات مختارة

لقاء | د. علياء كيوان - للحديث عن جمعية المرأة العربية في دول أوروبا

الأسرة

أبناؤنا بين المنح و المنع

عند إجراء مقارنة سريعة بين طفولتنا البسيطة (و كذلك طفولة آبائنا و أجدادنا الأكثر بساطة) مع ما تحويه طفولة أولادنا من رفاهيات مادية، يمكننا أن ندرك -بسرعة الضوء- التفاوت الشاسع بين الطفولتين.
ولا يقتصر الفرق الكبير على الممتلكات المادية فحسب بل حتى على الأساليب المتبعة في التعامل و التربية التي تخضع للدراسات و النظريات التربوية الحديثة حيث تضج بها كثير من الوسائل الإعلامية المسموعة و المقروءة و يتابعها عدد كبير جداً من الآباء و الأمهات، كل هذا إضافة للعناية البالغة التي يتلقاها الطفل في المدرسة التي لا تكاد تشبه مدارسنا القديمة في شيء.

للأسباب السابقة فإنه نظرياً و حسابياً يفترض أن تكون الأجيال الجديدة أكثر توازناً و نجاحاً من الأجيال السابقة التي افتقرت نشأتها إلى الكثير من المتطلبات و التي كانت أحياناً يغلب عليها طابع المشقة و المسؤولية لدرجة المعاناة أحياناً.
لكن يفاجئنا الواقع بنتائج معاكسة (خصوصاً في البلاد الاستهلاكية المترفة) حيث أصبحنا نلاحظ ظواهر خاصة بالجيل الناشىء مثل التذمر رغم كثرة وسائل التسلية و التململ من أبسط المهمات و المسؤوليات البديهية و الرغبة الشديدة بالاستحواذ على الماديات بدون بذل أي جهد مقابل.
هذا السلوك العام يجعلنا نتساءل باستغراب بالغ عن السبب ،و إلى من نشير بأصابع الاتهام؟!
الواقع أن الأسباب متعددة و كثيرة تجعل الخلل واضحاً في بناء الإنسان الحديث الذي يكتسب عادات استهلاكية مترفة و ينشغل بأفكار سطحية ترفيهية تجعله مهلهلاً و عاجزاً عن مواجهة صعوبات و مسؤوليات الحياة الحقيقية، أو وصولياً متمحوراً حول ذاته و إشباع رغباته.

إحدى الجوانب التي تخصنا من هذه المسألة كآباء و أمهات هي إدراك مفهوم المنح و المنع و العمل على التوازن في الكيفية و الكمية و الطريقة التي نلبي بها احتياجات أبنائنا المادية بغض النظر عن انجراف المجتمعات خلف الاستهلاك النهِم و طرقه المبهرجة الشائعة خصوصاً في المجتمعات التي تتوفر فيها الاستطاعة المادية الكبيرة.
أنا شخصياً معجبة ببعض العادات السويدية القديمة التي يتشابه بعضها مع عادات آبائنا و أجدادنا.
حيث كانوا مثلاً يجعلون الطفل يدخر من مصروفه ليشتري وسائل رفاهيته مثل دراجته أو اللعبة التي يرغب بها .
و كان من الشائع بل البديهي أن يساهم الأولاد في كسب دخل العائلة حتى خصصت عطلة من المدرسة لهذا الغرض كان اسمها (عطلة محصول البطاطا).
و كان من النادر أن نجد سيدة أو فتاة لا تتقن فنون الخياطة و التطريز و الحياكة،  و لا يوجد شاب لا يلم بمبادئ النجارة و التصليحات المنزلية الخفيفة، و لا يخفى على أحد -إضافة للمردود الاقتصادي- الأثر النفسي الكبير لمثل هذه المهارات التي تدعم ثقة الإنسان بنفسه و تعوده أن يكون منتِجاً في الحياة مقدِّراً للعمل و لوسائل الكسب الشريفة.
حتى أننا نلاحظ اليوم متاجر الأدوات المستعملة و هي تزخر بأشياء قديمة الطراز لكنها قد حافظت على رونقها و جودتها لعشرات السنين ببساطة لأن ملكيتها تعود لجيل يكافح للحصول على الأشياء ثم يقدر قيمتها و يحافظ عليها.

رغم ذلك و بعيداً عن المثاليات لابد أن ندرك بأنه لا يمكن تطبيق أساليب و أفكار التربية القديمة على الجيل الجديد (و هي بدون شك ليست كلها إيجابية) لكن يمكننا أن نكون على وعي كافي و أن نسعى دائماً لإنضاج مفاهيم الإنتاج و تحمل المسؤولية عند أبنائنا و مساعدتهم لإظهار ذلك بحد مقبول في سلوكهم و عاداتهم.
و من أجل أن يتمتعوا بتوازن نفسي و قدرة مستقبلية على إدارة أمورهم الاقتصادية بنجاح لا بد من تعويدهم على تقدير قيمة المال و الأشياء التي يمتلكون، و تعويدهم على الإدخار و إدارة مالهم الخاص بحكمة وفق الأولويات، و توضيح أن كثير من الأطفال الآخرين لا يتمتعون بنفس الحظ من النعم الوافرة.
و ربما يعزز ذلك العيش ببساطة قدر الإمكان، حيث يحضرني كمثال “بيل جيتس” الذي أدرك أهمية الأمر و عمل على حماية أبنائه من مخاطر الترف، فكان يعطيهم مصروف زهيد بالكاد يكفي ثمن شطيرة و عصير من أرخص الأنواع، و قرر التبرع بعد وفاته بكل ثروته تاركاً لكل واحد من أبنائه مبلغ بسيط مقارنة مع ثروته المهولة.

أما “إينغفار كامبراد” الملياردير السويدي صاحب سلسة إيكيا العالمية الشهيرة، فمازال يعيش حياة بسيطة و يركب سيارته الفولفو قديمة الطراز و يشتري ملابسه من متاجر الأشياء المستعملة!
طبعا أنا لا أدعو لمثل هذا التقشف المبالغ به لأني أعتقد أن مثل هذا السلوك ينعكس سلباً على نفسية الأطفال بشكل شديد، و لعله يتسبب برد فعل عكسي تماماً.
لكنه التوسط و الاعتدال مع مراعاة الإمكانيات المادية للعائلة و الأقران في المجتمع المحيط.
أما غول العصر الاستهلاكي فالحذر من الانجرار خلفه نحن و أبناؤنا معاً، لأنه يلتهم قيم الناس و يتلف جزء من سعادتهم بحرمانهم من التمتع بالبساطة الجميلة و من لذة الحصول على الجائزة بعد النضال في سبيلها.

أقلها لنحمي أولادنا فلنجعلهم يتحملون مسؤولية المحافظة على ممتلكاتهم و العناية بها و التبرع بالفائض منها للفقراء،  و أيضاً المحافظة على الأغراض و إعادتها إلى أماكنها بعد استخدامها و التشارك مع الآخرين في بعضها، و هو أمر يتعلمه أصغر الأطفال في الروضة، و لكن للأسف يبدو أن الإشباع المادي المبالغ به الذي يتلقاه الطفل و المنح المفرط لكل ما يرغب ينسيه حتى ما تعلمه في روضة الأطفال !

نديدة أبو جيب

التعليقات

تعليقات

Nadida Abou-jeb

مغتربة سوريّة تعيش في السويد, تعمل معلمة لغة عربية و مرشدة دراسية للطلاب العرب في المدارس السويدية.
مهتمة بالقضايا الإنسانية و التربوية و داعمة لقضايا التعليم و حقوق الطفل.
مدوِّنة بمجلة المرأة العربية في ألمانيا و المهجر.